بيان الجمعية المغربية لحقوق الإنسان حول أحداث سبتة ومليلية يومي 30 و31 يوليوز 2026
أحداث النزوح الجماعي شمال المغرب، وتصاعد محاولات العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين، يعكس مدى انسداد الأفق الاجتماعي، ويفضح الفشل الذريع لسياسات الدولة في توفير الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للمواطنين والمواطنات.
أحداث النزوح الجماعي شمال المغرب، وتصاعد محاولات العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين، يعكس مدى انسداد الأفق الاجتماعي، ويفضح الفشل الذريع لسياسات الدولة في توفير الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للمواطنين والمواطنات.
تتابع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عبر فروعها بالشمال والشرق، ببالغ القلق والكثير من الألم، موجات النزوح الجماعي، والمحاولات المكثفة لآلاف الشباب والقاصرين، إلى جانب مئات الأسر، للعبور نحو الضفة الأخرى عبر مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وما ترتب عن ذلك من مأساة إنسانية وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، أسفرت ـ لحد الآن وحسب المعلومات المتداولة في انتظار المعطيات الرسمية ـ عن سقوط ما يقرب من 130 ضحية، واختفاء عشرات المفقودين والجرحى، في مشاهد مؤلمة تعكس حجم المعاناة وعمق المقاساة التي يحاول هؤلاء المواطنون والمواطنات الخلاص منها. هذا عدا ما صاحب ذلك من أحداث عنف ومواجهات عند المعبر الحدودي بني انصار المؤدي إلى مدينة مليلية المحتلة، وما باشرته السلطات من منع للتنقل وتوقيف جميع الرحلات المتوجهة من بعض المدن نحو شمال المغرب.
إن هذه المشاهد المؤلمة تعري كل محاولات التغطية على عمق الأزمة والتعمية على أسبابها الحقيقية، وتعكس نتائج سياسات وخطابات بعيدة عن واقع المواطنين والمواطنات، ومقاربات تغيب الإنسان وحقوقه من حساباتها، وتتجاهل اليأس التام المستشري وسط الشباب بسبب انسداد الآفاق، واستفحال الفساد، وتغول الاستبداد، وغياب العدالة الاجتماعية، وانعدام فرص الشغل وشروط العيش الكريم.
إن انسداد الآفاق أمام المواطنات والمواطنين، وتفاقم مشاعر الإحباط واليأس، خاصة وسط الشباب، لم يعد مجرد شعور فردي، بل تحول إلى هوية جيل كامل، أصبح في ظلها النزوح والرغبة في الهجرة لغة تعبير عن غضب شعبي ضد فشل سياسات الدولة، وموقف إدانة لتنامي الفوارق الاجتماعية والتوزيع غير العادل للثروات واستيلاء فئة قليلة على مقدرات البلاد من خلال اقتصاد الريع والفساد والتسلط والاستبداد.
فما تشهده منطقة شمال المغرب، كيفما كانت الأسباب الظرفية التي حركت هذه الهجرة الجماعية كما جرى قبل سنتين، لهو تعبير صارخ عن أزمة بنيوية عميقة، وتراكمات عقود من التهميش الاجتماعي والاقتصادي. ويمثل إقدام أعداد غفيرة من الشباب والقاصرين، ومن النساء والرجال من كل الأعمار، على المخاطرة بأرواحهم والهروب من بلادهم، مؤشرا خطيرا على حالة اليأس المتفشي، وفقدان الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية وفي المستقبل ككل.
والمكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إذ يحمل الدولة المغربية المسؤولية السياسية، والمسؤولية المباشرة والكاملة عن الأوضاع الكارثية التي أدت إلى هذا النزوح الجماعي، الشبيه بما يقع في مناطق الحروب والنزاعات المسلحة، وما نتج عنه من انتهاكات متعددة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحق في السلامة البدنية والأمان الشخصي، فضلا عما ألحقه من إساءة بليغة بصورة البلاد في العالم، فإنه يسجل ما يلي:
استنكاره لسياسات التفقير والتهميش، والظلم والحكرة المتواصلة، التي تدفع بالمواطنين والمواطنات للبحث عن ظروف أفضل للحياة ومستقبل آمن لهم ولأبنائهم خارج البلاد؛
تنديده بالتوظيف السياسي لملف الهجرة، من خلال استخدام الورقة الإنسانية، ووضعية الفقر والحاجة لدى أغلبية الناس، بمن في ذلك الأطفال والقاصرين، كوسيلة للضغط السياسي، أو التفاوضي مع الجوار الإسباني أو الأوروبي، مما يمثل اخلالا جسيماً بالالتزامات الحقوقية الدولية للمغرب. فالهجرة حق إنساني ولا يحق تحويل آلام الفقراء، والمهمشين وضحايا سياسات الدولة الفاشلة إلى أدوات للمناورة الجيوسياسية، أو الزج بهم في رهانات سياسية ودبلوماسية على حساب حقوقهم الأساسية وكرامتهم الإنسانية؛
اعتباره أن ما جرى يشكل انتهاكا سافرا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ولا سيما المادة 6 المتعلقة بالحق في الحياة)، الذي ينص على حماية الأشخاص من المخاطر والأشكال الحاطة من الكرامة، وعدم تعريضهم للمغامرة بأرواحهم تحت أي ظرف؛
استياءه من الاستهتار بحياة وسلامة الأطفال والقاصرين، في انتهاك سافر لما تنص عليه اتفاقية حقوق الطفل (التي صادق عليها المغرب عام 1993) في مادتيها 3 و19، من التزام الدولة باتخاذ جميع التدابير لحماية الطفل من كل أشكال العنف والإهمال والاستغلال، وضمان مصلحته الفضلى، وهو ما يستوجب حماية القاصرين من أي تهديد لأمنهم وسلامتهم وحياتهم؛
استهجانه للصمت المريب لكل مسؤولي الدولة المغربية ومؤسساتها مما قوى من خلق حالة من التعبئة الشاملة في جل المدن والمناطق للتنقل الى مدن الشمال بهدف الهجرة؛
استنكاره للخطابات المتصاعدة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، من طرف اليمين المتطرف، الداعية للتحريض على المهاجرين، واعتبارهم يشكلون خطرا وجوديا على المجتمعات والدول الغربية؛
تعازيه الحارة ومواساته الصادقة لأسر وعائلات جميع الضحايا، الذين فقدوا حياتهم خلال موجات هذا النزوح الجماعي، مؤكدا أن إنقاذ الأرواح وصون الكرامة الإنسانية يجب أن يظلا في صدارة السياسات العمومية والالتزامات الحقوقية، ومطالبا في نفس الوقت الدولة بجبر الأضرار النفسية والاجتماعية التي لحقت ذوي الحقوق جراء هذه الفواجع.
إن ما تشهده بلادنا، من حين لآخر، من موجات نزوح ضخمة يسائل الدولة المغربية بشأن مدى احترامها للتعهدات الدستورية ومضامين المواثيق الدولية التي صادقت عليها، مما يستوجب:
مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعطي الأولوية للتشغيل الفعلي للشباب وتوفير العمل اللائق للجميع، ووضع سياسات تضمن التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والمجالية بجهات الشمال ومختلف مناطق البلاد. فقد أجمعت تصريحات المواطنين والشباب، التي وثقتها مختلف وسائل الإعلام الوطنية والدولية، على أن البطالة، وانسداد الآفاق، وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، تشكل الدوافع الرئيسية وراء هذه المحاولات الجماعية للهجرة، مما يستوجب معالجة الأسباب البنيوية لهذه الظاهرة بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية؛
وضع كرامة المواطن/ة وحقوقه/ها الأساسية فوق كل اعتبار سياسي أو استراتيجي، انطلاقا من أن الاستجابة الحقيقية لأزمات الهجرة والنزوح تبدأ من الداخل، عبر ضمان العيش الكريم، والعدالة الاجتماعية احترام حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها؛
فصل الملفات الإنسانية عن أجندات الضغط السياسي، والالتزام بتدبير ملف الهجرة وفق مقاربة حقوقية شاملة، تحترم الكرامة الإنسانية وتلتزم بتعهدات حسن الجوار دون استخدام المستضعفين كأوراق تفاوضية؛
تفعيل الآليات الوطنية لحماية الأطفال والقاصرين، بوضع استراتيجيات عاجلة لإعادة إدماجهم في منظومة التربية والتكوين، وحمايتهم من شبكات الاتجار بالبشر ومخاطر التهجير غير الآمن؛
فتح تحقيق جدي ومستقل للوقوف على الظروف والأسباب التي أدت إلى موجات النزوح الأخيرة، والمحاسبة على أي تقصير في توفير الحماية والحد من استغلال الفئات الهشة؛
احترام حرية التنقل وفق ما تنص عليه منظومة حقوق الإنسان الدولية: ضمان احترام الحق في المغادرة والعودة المكفول بالمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مع توفير إطار قانوني وآمن للتنقل دون تعريض الأرواح للخطر؛
وضع مطلب استرجاع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية ضمن الأجندة السياسية الآنية للدولة دون ربطها بأية تسوية تخص جبل طارق، واعتبار ذلك يندرج ضمن تصفية الاستعمار.
المكتب المركزي:
الرباط، في فاتح غشت 2026.
