بيان حول الآثار السلبية للاستعمال المكثف لأجهزة كشف الغش داخل مراكز الامتحانات


يتابع الرأي العام التربوي والنقابي والحقوقي باهتمام بالغ مختلف التدابير والإجراءات المعتمدة لضمان نزاهة الامتحانات وصون مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحات والمترشحين، باعتبار ذلك مسؤولية جماعية وركيزة أساسية لترسيخ قيم الاستحقاق والإنصاف داخل المنظومة التربوية. غير أن ما تم تسجيله خلال الامتحانات الإشهادية من استعمال مكثف ومتكرر لأجهزة كشف الغش داخل قاعات الامتحان يثير جملة من الملاحظات والانشغالات المرتبطة بحقوق الممتحنين وظروف اجتيازهم للاختبارات.

فقد أفضت هذه الممارسات، في عدد من مراكز الامتحان، إلى خلق أجواء من التوتر والارتباك داخل القاعات، نتيجة الحركة المتواصلة للأجهزة وما يصاحبها من إشارات وتنبيهات وتدخلات متكررة، الأمر الذي يؤثر سلبا على تركيز المترشحين ويحد من قدرتهم على استثمار الزمن المخصص للامتحان في ظروف نفسية وتربوية ملائمة، قائمة على الهدوء والطمأنينة وتكافؤ الفرص.

وإذ نؤكد دعمنا لكل التدابير الرامية إلى محاربة الغش وترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق، فإننا نرفض في المقابل كل ممارسة من شأنها المساس بحق المترشحات والمترشحين في اجتياز امتحاناتهم في بيئة تربوية سليمة تحترم كرامتهم وتضمن سلامتهم النفسية وتوفر لهم شروط التركيز الضرورية لاجتياز الاختبارات.

كما نسجل، بكل أسف، أن التركيز المفرط لوزارة التربية الوطنية على المقاربة الأمنية والتقنية في مواجهة ظاهرة الغش، من خلال التوسع في استعمال أجهزة الكشف وما يرافق ذلك من نفقات وتجهيزات، يبدو أقرب إلى معالجة جزئية أو استعراضية لا تلامس الأسباب الحقيقية والعميقة للمشكلة. ونعتبر أن توجيه موارد مالية مهمة نحو هذه التدابير يطرح تساؤلات مشروعة بشأن أولويات الإنفاق العمومي وجدوى هذه الاختيارات، في وقت تعاني فيه المنظومة التربوية من اختلالات بنيوية متراكمة، تتجلى في تراجع جودة التعلمات، وضعف المكتسبات الأساسية، واستمرار الاكتظاظ، وخصاص الموارد البشرية، وتنامي مظاهر فقدان الثقة في المدرسة العمومية.

إن محاربة الغش لا يمكن أن تختزل في الوسائل التقنية وحدها، بل تقتضي مقاربة تربوية شمولية تعالج جذور الظاهرة وأسبابها الموضوعية، من خلال الارتقاء بجودة التعلمات، وتعزيز القيم الأخلاقوية والتربوية، وترسيخ ثقافة الاستحقاق، وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها فضاء للتكوين وبناء المواطن، لا مجرد مجال لتدبير الامتحانات وضبط المخالفات.

ونسجل كذلك أن النقاش العمومي حول نزاهة الامتحانات لا ينبغي أن يظل محصورا في سلوك بعض المترشحين، في الوقت الذي يتم فيه التغاضي عن الاختلالات التنظيمية والتدبيرية التي تتحمل الجهات المشرفة مسؤولية معالجتها. وفي هذا السياق، فإن حالات تسريب أو تداول بعض مضامين الامتحانات، التي يتم تسجيلها بين الفينة والأخرى، تطرح تساؤلات جدية حول فعالية منظومة التأمين والحكامة المعتمدة في إعداد المواضيع ونقلها وحفظها وتوزيعها.

إن المسؤولية عن ضمان سرية الامتحانات وتأمين مختلف مراحل إعدادها وتدبيرها تقع أساسا على عاتق الجهات المختصة، وهو ما يستوجب فتح تحقيقات شفافة كلما ثبت وقوع أي إخلال أو تقصير، مع نشر نتائجها وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية المترتبة عنها، بدل الاكتفاء بتشديد إجراءات المراقبة داخل القاعات وتحميل المترشحين وحدهم تبعات أزمة تتداخل فيها عوامل متعددة.

وانطلاقا من ذلك، فإن الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) تعلن ما يلي:

تندد بكل أشكال الاستعمال غير المتوازن أو المفرط لأجهزة كشف الغش داخل قاعات الامتحان.

تدعو الجهات المختصة إلى تقييم الأثر النفسي والتربوي لهذه الإجراءات على المترشحات والمترشحين.

تطالب باعتماد بروتوكولات واضحة وموحدة لاستعمال هذه الأجهزة، بما يحقق هدف مكافحة الغش دون الإضرار بحقوق الممتحنين أو التأثير على ظروف اجتيازهم للاختبارات.

تؤكد ضرورة إشراك الفاعلين التربويين والهيئات النقابية والحقوقية في تقييم مختلف التدابير التنظيمية المرتبطة بالامتحانات الإشهادية.

تهيب بجميع المتدخلين الحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات النزاهة والرقابة من جهة، وضمان الحقوق الأساسية للمترشحات والمترشحين من جهة أخرى.

تطالب وزارة التربية الوطنية بتحمل مسؤوليتها الكاملة في تعزيز آليات الحكامة والشفافية والمراقبة الداخلية، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع أي اختراق لسرية الامتحانات.

تدعو إلى مراجعة البرامج والمناهج الدراسية بما يضمن التركيز على الكفايات والتعلمات الأساسية وتجاوز منطق الحشو والتكديس المعرفي.

تطالب بمراجعة منظومة التقييم والامتحانات واعتماد صيغ تربوية أكثر نجاعة وموضوعية لمعالجة ظاهرة الغش والحد من دوافعها.

تندد بالمقاربة الاستعراضية المصاحبة أحيانا للامتحانات، وتحويلها إلى مناسبة للتغطيات والصور والزيارات غير الضرورية، بما في ذلك السماح لأطراف أجنبية عن المنظومة التربوية بولوج قاعات الامتحان، لما لذلك من تأثير على السير العادي للعملية وظروف التركيز لدى المترشحين.

تدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات وتوجيه الجهود والموارد نحو معالجة الأسباب الحقيقية للتراجع الدراسي وتحسين شروط التعلم والرفع من جودة المدرسة العمومية، بدل الاكتصار على إجراءات ظرفية لا تمس جوهر الأزمة التربوية التي تعيشها المنظومة.

عاشت المدرسة العمومية فضاء للإنصاف وتكافؤ الفرص وصون الكرامة الإنسانية
عن المكتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم (FNE)

اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.