
تحية احترام وتقدير، وبعد،
اطلع المكتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي على المراسلة الوزارية رقم 2969 بتاريخ 17 شتنبر 2026، في شأن مسك وتحيين معطيات غياب التلميذات والتلاميذ بمنظومة «مسار»، والتي دبجت بلغة تهديد ووعيد وأضحين متوسلة بلي عنق مجموعة من النصوص القانونية التي تنص صراحة على واجبات الدولة في توفير تعليم مجاني وجيد لكل بنات وأبناء الشعب المغربي عبر تحميل مسؤولية هذا الالتزام لموظفين لا حول لهم ولا قوة وهو التوجه الذي نعتبره مجرد قفز نحو الامام وتهرب من المسؤولية في توفير الوسائل المادية والبشرية واللوجيستيكية للتعاطي مع الاعطاب البنيوية للمنظومة التربوية.
إننا في الجامعة الوطنية للتعليم FNE، ومن موقعنا النقابي المدافع عن نساء ورجال التعليم وعن المدرسة العمومية، نسجل جملة من الملاحظات الجوهرية التي تستوجب من الوزارة التفاعل الجدي والمسؤول معها.
فمن حيث المبدأ على لا نختلف على أهمية تتبع مواظبة المتعلمات والمتعلمين، ورصد حالات التغيب والانقطاع والتدخل المبكر لمعالجتها، باعتبار ذلك جزءا أساسيا من مسؤولية الدولة في ضمان الحق في التعليم ومحاربة الهدر والانقطاع المدرسيين.
غير أن الوزارة لا يمكنها أن تختزل معالجة ظاهرة معقدة كالهدر والانقطاع المدرسي في عملية تقنية تتمثل في إدخال معطيات الغياب بمنظومة «مسار»، ولا أن تجعل من انتظام المسك اليومي للغياب حلا سحريا ومدخلا لتحميل الأستاذات والأساتذة والأطر الإدارية والتربوية مسؤولية اختلالات تتجاوز بكثير حدود مهامهم وإمكاناتهم.
إن المذكرة المذكورة تطرح، من وجهة نظرنا، عددا من الإشكالات التي تستدعي التوضيح والمعالجة:
**1- لا يمكن معالجة الهدر والانقطاع المدرسيين بالمسك الإلكتروني وحده**
إن تسجيل غياب التلميذ(ة) في منظومة معلوماتية لا يعالج، في حد ذاته، الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والنفسية والتفاوتات المجالية التي تقف وراء الانقطاع عن الدراسة.
فالهدر المدرسي ظاهرة ترتبط، من بين عوامل أخرى، بالفقر والهشاشة، وبعد المؤسسات التعليمية، وعدم توفير النقل المدرسي، والاكتظاظ، وظروف التمدرس، وبعض أشكال التعثر الدراسي، وضعف المواكبة الاجتماعية والنفسية، وغيرها من العوامل التي تتطلب سياسات عمومية متكاملة، وموارد بشرية ومادية كافية، وليس مجرد إصدار مذكرات تحمل في طياتها تعليمات تدعو الأطر الإدارية والتربوية بإدخال المعطيات.
**2- رفض تحويل منظومة «مسار» إلى أداة للمراقبة والعقاب**
إن تأكيد المذكرة على التتبع المركزي المستمر لمؤشرات مسك الغياب، وعلى تقييم انخراط الأكاديميات والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية، يثير تخوفا مشروعا من تحويل هذه العملية من آلية تربوية لتتبع التمدرس إلى أداة للمراقبة الإدارية العقابية والمحاسبة الزجرية للأطر.
وإذا كانت الوزارة حريصة فعلا على انتظام العملية، فعليها أولا أن توفر الشروط الموضوعية التي تجعل هذا الانتظام ممكنا، بدل الاكتفاء بإصدار التعليمات الفوقية والتلويح بالتتبع والتقييم واتخاذ التدابير الزجرية.
**3- توفير شروط العمل مسؤولية الوزارة قبل ترتيب المسؤوليات**
إن أي التزام بالمسك اليومي والآني لمعطيات الغياب يفترض توفير الحد الأدنى من شروط العمل، وفي مقدمتها:
* توفير بنيات استقبال كافية ومؤسسات تعليمية قريبة من المواطنين.
* توفير التجهيزات المعلوماتية الكافية وذات جودة والصالحة للاستعمال؛
* ضمان الولوج المستقر إلى شبكة الإنترنت داخل المؤسسات (عشرات المؤسسات التعليمية بإقليم تمارة- الصخيرات نموذجا ليس بها شبكة الانترنيت لحدود اليوم …)
* معالجة الأعطاب التقنية لمنظومة «مسار» في حينها؛
* توفير الأطر الإدارية والتربوية الكافية؛
* تخفيف الأعباء والمهام الإدارية المتزايدة المفروضة على العاملين بالمؤسسات التعليمية؛
* تحديد المسؤوليات بدقة، وعدم توزيعها بشكل فضفاض على مختلف الفاعلين؛
* ضمان التكوين والمواكبة التقنية الضرورية.
فلا يستقيم أن تتم مساءلة الموظف عن عدم إنجاز مهمة رقمية في ظل غياب الوسائل التقنية والبشرية الضرورية لإنجازها.
**4- رفض تحميل الأستاذات والأساتذة أعباء إدارية إضافية دون شروط**
إن الأستاذ(ة) يوجد أساسا داخل الفصل للقيام بمهامه التربوية والتعليمية، ولا يجوز أن تتحول عملية تدبير الغياب إلى سلسلة إضافية من الأعباء الإدارية التي تستنزف زمن العمل التربوي.
وإذا كانت الوزارة تعتبر المسك اليومي للغياب جزءا من مهام فئات معينة من الأطر، فإن ذلك ينبغي أن يكون مؤطرا بشكل واضح ودقيق، مع توفير الوسائل والوقت والموارد البشرية اللازمة، وعدم ترك المؤسسات أمام تعليمات متراكمة ومسؤوليات متداخلة.
**5- الإدارة التربوية تعاني أصلا من ضغط مهول في المهام**
إن مطالبة مديرات ومديري المؤسسات والأطر الإدارية والتربوية بمزيد من التتبع والمراسلات والتقارير الأسبوعية، دون معالجة واقع الخصاص الكبير في الموارد البشرية الإدارية، من شأنه أن يزيد من تعقيد الوضع داخل المؤسسات.
فالإدارة التربوية ليست جهازا إداريا خارقا غير محدود الإمكانات، ومديرات ومديرو المؤسسات التعليمية لا يمكن أن يتحولوا إلى منفذين لكل التعليمات القطاعية دون توفير الأطر الكافية والوسائل الضرورية
**6- ضرورة التمييز بين المسؤولية التربوية والمسؤولية الاجتماعية للدولة**
إن رصد الغياب هو بداية لمسار التدخل، وليس نهاية المسار.
فماذا بعد رصد التلميذ(ة) المتغيب(ة)؟ ومن يتولى التواصل الاجتماعي؟ ومن ينجز التشخيص؟ ومن يوفر المواكبة النفسية والاجتماعية؟ ومن يتدخل في حالات الفقر أو العنف أو صعوبات النقل أو الإعاقة أو الهشاشة الأسرية؟
إن الحديث عن «التدخل المبكر» لا يكتمل دون توفير العدد الكافي من المختصين الاجتماعيين والتربويين، ومصالح الإنصات والمواكبة، وآليات فعالة للتنسيق بين القطاعات والمؤسسات. أما الاكتفاء بتسجيل الغياب ثم مطالبة المؤسسة باتخاذ التدابير اللازمة، فإنه يبقي جزءا أساسيا من المشكلة دون جواب.
**7- حماية المعطيات الشخصية للتلميذات والتلاميذ**
إن توسيع عمليات جمع وتتبع وتبادل المعطيات المتعلقة بالمتعلمات والمتعلمين يقتضي كذلك ضمان احترام القواعد القانونية والمؤسساتية المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، وتحديد الجهات المخول لها الولوج إليها، وكيفية استعمالها، وضمان عدم توظيفها خارج الأغراض التربوية والإدارية المشروعة.
السيد الوزير،
إننا نرفض أن تتحول مسؤولية الدولة في محاربة الهدر والانقطاع المدرسيين إلى مسؤولية فردية تتحملها الأستاذات والأساتذة ومديرات ومديرو المؤسسات التعليمية.
إن محاربة الهدر المدرسي ورش مجتمعي ومؤسساتي كبير، يبدأ بضمان تعليم عمومي مجاني وموحد من التعليم الأولي إلى العالي ، وتوفير الأطر التربوية والإدارية ، ومحاربة الاكتظاظ، ودعم المؤسسات بالمختصين الاجتماعيين والتربويين، وتوفير النقل والإطعام المدرسيين، ومعالجة صعوبات التعلم، وتحسين ظروف العمل والتمدرس، ثم يأتي التتبع الرقمي للغياب كوسيلة ضمن منظومة متكاملة، وليس كبديل عنها.
وعليه، فإننا نطالبكم السيد الوزير بـ:
– الوفاء بالتزامات الدولة بالاستثمار في البنيات التحتية اللازمة للتمدرس من مؤسسات تعليمية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد على التمدرس وتقريب المؤسسات من المواطنين لضمان إيجاد مقعد لكل طفل في ظروف تربوية سليمة ومحاربة الاكتظاظ وتوفير الداخليات والنقل المدرسي والاطعام والأمن للمتعلمات والمتعلمين.
– توفير الاطر الادارية والتربوية الكافية بالمؤسسات التعليمية مع تدقيق الإطار القانوني والتنظيمي لكل الفئات ومجالات التدخل بكل وضوح والكف عن المزاجية في إسناد الاختصاصات عبر مراسلات ظرفية تقفز على الواقع الموضوعي دون رؤية شمولية مندمجة وواضحة لتدبير القطاع.
– الوفاء بالتزامات الوزارة تجاه أطرها بتنفيذ الاتفاقات السابقة والتنزيل السليم لمقتضيات النظام الأساسي والإسراع بإخراج النصوص التنفيذية له.
– استحضار تجربة الحراك التعليمي وما أنتجته العقلية الزجرية والتدبير الاحادي من ضياع للزمن التعليمي تتحمل مسؤوليته الدولة بتعنتها وصم الآذان عن المتطلبات الحقيقية والموضوعية للمدرسة العمومية وأطرها الإدارية والتربوية.
– توفير التجهيزات والربط بالإنترنت والأطر الضرورية لضمان انتظام العمليات واستدامتها.
– عدم تحويل مؤشرات «مسار» إلى آلية للمراقبة والعقاب الإداري للأطر التعليمية والإدارية في غياب رؤية شمولية لمعالجة الظواهر السلبية التي تعج بها المنظومة.
– توفير المختصين الاجتماعيين والتربويين الكفيلين بالتدخل الفعلي في حالات الغياب المتكرر والحد من الانقطاع المدرسي.
– فتح حوار جدي مع التنظيمات النقابية حول تدبير منظومة الغياب وتحديد المسؤوليات والأعباء المرتبطة بها.
– مراجعة الأعباء الإدارية المتزايدة المفروضة على الأطر التربوية والإدارية، بما يضمن عدم المساس بالمهام الأساسية للعملية التعليمية.
– ضمان حماية المعطيات الشخصية للمتعلمات والمتعلمين وعدم استعمالها خارج الأغراض المحددة قانونًا.
– اعتماد مقاربة شمولية لمحاربة الهدر والانقطاع المدرسيين، بدل اختزال الظاهرة في مؤشرات رقمية ونسب المسك الإلكتروني.
– وقف كل أشكال التهديد أو الضغط الإداري المرتبطة بمؤشرات المسك، واعتماد المواكبة والتأطر والتكوين بدل المقاربة الزجرية.
– احترام الحريات النقابية وفي مقدمتها حق الاحتجاج والدفاع عن المطالب المشروعة بكل الوسائل وفتح قنوات الحوار الجاد والمثمر.
إننا، إذ نجدد التأكيد على أهمية انتظام تتبع مواظبة المتعلمات والمتعلمين، نؤكد في المقابل أن جودة التعليم ومحاربة الهدر المدرسي لا تختزلان في منظومة معلوماتية، وأن الرقمنة لا يمكن أن تكون بديلا عن العدد الكافي من الأطر التربوية والإدارية والسياسات الاجتماعية والتربوية الضرورية للتعليم.
كما نؤكد أن نساء وررجال التعليم ليسوا مسؤولين عن الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة، وأن أي إصلاح حقيقي يقتضي إشراكهم، وتحسين ظروف عملهم وتوفير الإمكانات اللازمة لهم، بدل الاكتفاء بتوسيع دائرة المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
وتفضلوا بأصدق مشاعرنا، والسلام.
عن المكتب الوطني
الكاتب العام الوطني: غميمط عبد الله
Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.