دراسات نقابية
دراسة نقابية حول واقع عمال شركات المناولة في قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والإطار القانوني، ومسؤولية الدولة، وآفاق إنهاء المناولة
مقدمة
شكلت سنوات الثمانينيات لحظة حاسمة في تاريخ علاقة الدولة المغربية بالاقتصاد والمرفق العمومي والعمل. ففي سياق أزمة المديونية والاختلالات المالية، دخل المغرب مرحلة التقويم الهيكلي المرتبطة ببرامج واتفاقات مع المؤسسات المالية الدولية، حيث أعيد ترتيب أولويات التدبير العمومي على قاعدة تقليص الإنفاق، وضبط كتلة الأجور، والحد من التوظيف العمومي، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وفتح مجالات أوسع أمام القطاع الخاص والخوصصة.
ولم يكن ذلك مجرد إعادة ترتيب تقني للنفقات، بل كان تحولا في وظيفة الدولة نفسها وفي شكل علاقتها بالعمل. فحين يصبح التحكم في عدد الموظفين وفي كتلة الأجور هدفا مركزيا للسياسة العمومية، لا تعود الوظيفة العمومية مجرد وسيلة لتوفير اليد العاملة اللازمة للمرفق، بل تصبح كلفتها موضوعا للحساب والتقليص. ومن هنا بدأ الانتقال من دولة تتولى، بصورة مباشرة، إنتاج جزء من خدماتها العمومية وتشغيل اليد العاملة اللازمة لها، إلى دولة تتجه، بصورة متزايدة، إلى شراء جزء من هذه الخدمات من السوق.
وفي هذا التحول، لم تختف الحاجة إلى العمل، وإنما تغيرت الشروط الاجتماعية التي يجري فيها استخدامه. فالخدمة التي كانت تؤدى بواسطة عامل تابع للمرفق العمومي أصبحت تؤدى بواسطة عامل تابع لمقاولة خاصة؛ والوظيفة التي كانت تستمد استقرارها من استقرار المرفق أصبحت مرتبطة بعقد وبصفقة وبمدة محددة؛ والعمل الذي كان يدخل في تنظيم الوظيفة العمومية أصبح يتحول إلى خدمة قابلة للشراء والمنافسة والتعاقد.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: إن ما يجري تفكيكه ليس الحاجة إلى العمل، بل صفة العمل العمومي. فالدولة لا تتخلى عن الحاجة إلى النظافة أو الحراسة أو الإطعام أو الصيانة والخدمات المساندة، وإنما تتخلى، تدريجيا، عن تشغيل من يؤدي هذه الأعمال بوصفه جزءا مستقرا من جهاز المرفق العمومي، لتحل محل ذلك علاقة شغل تمر عبر المقاولة والسوق والصفقة العمومية.
ومن هذه الزاوية، تظهر المناولة باعتبارها إحدى التعبيرات العملية عن هذا التحول. فهي لا تنقل الخدمة من المرفق العمومي إلى مكان آخر، بل تنقل علاقة العمل من المجال العمومي إلى المجال الخاص. وتبقى الحاجة إلى العمل ثابتة، بينما يصبح العامل هو المتغير؛ تبقى الوظيفة قائمة، بينما يفقد شاغلها صفة الاستقرار؛ ويستمر المرفق في طلب الخدمة، بينما يصبح من يؤديها معلقا بمصير المقاولة ومصير الصفقة.
وقد جرى تقديم هذا التحول بلغة النجاعة والمرونة وترشيد النفقات وتحسين التدبير. غير أن السؤال الذي تفرضه نتائجه الاجتماعية لا يمكن أن يختزل في سؤال الكلفة المالية: من الذي تحمل فعليا كلفة هذا التحول؟ وهل أدى نقل بعض الخدمات إلى القطاع الخاص إلى تحسين شروط إنتاج الخدمة العمومية، أم أن جزءا من الكلفة التي سعت الدولة إلى ضبطها جرى نقله من ميزانية المرفق إلى شروط عمل الأجراء، في صورة أجور ضعيفة وهشاشة مهنية وعدم استقرار وضعف في الحماية الاجتماعية؟
من هنا، لا ينبغي النظر إلى عمال المناولة باعتبارهم مجرد فئة من الأجراء تشتغل لدى شركات خاصة، بل باعتبارهم نتاجا لعلاقة اجتماعية جديدة بين الدولة والعمل والمرفق العمومي؛ علاقة تستمر فيها الحاجة إلى العمل داخل المرفق، بينما يجري فصل العامل عن الصفة العمومية التي كانت تمنح لعمله قدرا من الاستقرار والحماية.
وتنطلق هذه الدراسة من هذا التحول لفهم المناولة في قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، لا باعتبارها مجرد تقنية لتدبير خدمات معينة، وإنما باعتبارها شكلا من أشكال إعادة تنظيم العمل داخل المرفق العمومي. ولذلك فإن البحث في أوضاع عمال المناولة وحقوقهم لا ينفصل عن البحث في مستقبل الوظيفة العمومية، وحدود إخضاع الخدمات العمومية لمنطق السوق والصفقة، والكلفة الاجتماعية والسياسية لهذا التحول على العامل والمرفق والمجتمع.
I. المناولة في قطاع التربية الوطنية:
حين تنفصل الخدمة عن العامل
بناء على ما قلناه أعلاه، لا تظهر المناولة في قطاع التربية الوطنية بوصفها مجرد تقنية لتدبير بعض الخدمات، وإنما بوصفها لحظة في تحول أعمق طال طريقة الدولة في تدبير المرفق العمومي وعلاقتها بالعمل داخله. فقد انتقل توفير خدمات من قبيل النظافة والحراسة والإطعام والطبخ، تدريجيا، من منطق التوظيف المباشر إلى منطق شراء الخدمة من شركات خاصة عبر الصفقات العمومية. ولم يكن هذا التحول تحولا في الحاجة إلى العمل، بل تحولا في الشكل الاجتماعي والقانوني الذي يجري به توفير هذا العمل.
فالمدرسة لم تتوقف يوما عن الحاجة إلى العامل الذي ينظفها أو يحرسها أو يطبخ فيها. الذي تغير هو موقع هذا العامل داخل المرفق: لم يعد أجيرا تابعا للمرفق العمومي، بل أصبح أجيرا لشركة تتولى، بموجب صفقة، توفير الخدمة للإدارة. وبذلك انفصلت الحاجة الدائمة إلى العمل عن استقرار العامل الذي يؤديه؛ فاستقرت الخدمة، بينما أصبح العامل مرتبطا بشركة وصفقة محددة المدة، معرَّضا مع كل تغيير للصفقة أو الشركة لإعادة إنتاج هشاشته من جديد.
وإذا كان هذا التحول قد ارتبط، في جانب منه، بالخصاص في الموارد البشرية، وإحالة أعداد من الأعوان على التقاعد، وتراجع التوظيف المباشر في بعض الوظائف، وبالبحث عن مرونة أكبر في تدبير الخدمات والتحكم في كلفتها، فإن المسألة لا تقف عند حدود هذه المبررات الإدارية. إذ ينبغي مساءلة الاختيار نفسه: لماذا جرى تحويل عمل ضروري لاستمرار المرفق إلى خدمة تشتريها الإدارة من السوق، بدل أن توفره من خلال عمال مستقرين تابعين للمرفق؟ أو بشكل أدق: ما الذي جعل الدولة تعيد تنظيم العمل داخل المرفق العمومي من خلال تحويل وظائف دائمة إلى خدمات تعاقدية تؤدى عبر السوق والمقاولات الخاصة؟ جميع الأجوبة المحتملة ستخلص لا محالة إلى كون أن المناولة لا تلغي العمل؛ إنها تلغي صفة الوظيفة العمومية عن جزء من العمل الذي لا يستطيع المرفق العمومي الاستغناء عنه.
من هشاشة العامل إلى أزمة نموذج التدبير.
من هنا، لا يصح اختزال نقد المناولة في الكشف عن تجاوزات هذه الشركة أو تلك. فالتجاوز، حين يتكرر داخل النموذج نفسه، لا يعود مجرد حادث عرضي، بل يصبح مدخلا لطرح السؤال عن الشروط التي تنتجه. وما تكشفه المعطيات من مشاكل تتصل بالأجور، وساعات العمل، والتصريح في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والعطل، وتحديد المهام، والصحة والسلامة المهنية، واحترام دفاتر التحملات، لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد قائمة من الاختلالات المتفرقة، بل باعتباره مؤشرات على علاقة شغل يجري تنظيمها على نحو يجعل استمرارية الخدمة منفصلة عن استقرار العامل.
ولهذا لا تأتي هذه الدراسة لتعيد تعداد المظالم حالة بعد حالة، وإنما لتكشف ما يقع خلف الشكل القانوني والإداري للصفقة: من ينتج الخدمة؟ ومن يتحمل كلفتها؟ ومن يستفيد من تنظيم العمل على هذا النحو؟ ومن يدفع الثمن الاجتماعي لهذا الاختيار؟
إن الغرض من هذه الدراسة هو، قبل كل شيء، كشف المستور في هذا النوع من التشغيل؛ أي الانتقال من ظاهر الصفقة، بما تقدمه من لغة تقنية عن الخدمة والكلفة والنجاعة، إلى ما يخفيه هذا الشكل من تنظيم العمل من علاقات اجتماعية ومهنية: علاقة الدولة بالشركة، والشركة بالعامل، والعامل بالمرفق الذي يعمل فيه دون أن يكون جزءا من جهازه الوظيفي.
وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه الدراسة ليس ما إذا كانت هناك اختلالات في تطبيق المناولة، وإنما ما إذا كان نموذج المناولة نفسه ينتج شروط الهشاشة التي تظهر في شكل تلك الاختلالات. فحين تكون الخدمة دائمة، بينما تكون علاقة العامل مؤقتة؛ وحين يحتاج المرفق إلى العمل باستمرار، بينما يبقى العامل معلقا بمصير الصفقة والشركة، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام تحسين لتدبير الخدمة العمومية، أم أمام إعادة تنظيم للعمل بما ينقل كلفة هذا التدبير من المرفق إلى العامل؟
II. عمال المناولة في المدرسة العمومية
من هم عاملات وعمال المناولة؟ Les sous-traitants
عمال وعاملات المناولة هم الأجراء والأجيرات الذين تشتغل بهم شركة أو مقاولة خاصة لتقديم خدمات لفائدة مؤسسة أو إدارة أخرى، بموجب عقد أو صفقة، دون أن تكون المؤسسة المستفيدة هي المشغّل المباشر لهم. وفي قطاع التربية الوطنية، يشمل ذلك خصوصا العاملات والعمال الذين تشتغل بهم شركات خاصة لتقديم خدمات داخل المؤسسات التعليمية، وتشمل هذه الفئة أساسا: عاملات وعمال النظافة، حراس الأمن الخاص، عاملات وعمال الإطعام والطبخ، العاملين في الداخليات والمطاعم المدرسية، بعض العاملين في الصيانة والخدمات المساندة.
إن هذ التعريف لا يظهر فئة عمال المناولة في المرفق العمومي كفئة هامشية أو تؤدي عملا عابرا؛ إنها تضطلع داخل المؤسسة التعليمية بأعمال ضرورية لاستمرارها اليومي، من نظافة وحراسة وإطعام وطبخ، إلى خدمات الداخليات والصيانة والخدمات المساندة. غير أن موقع هذه الفئة داخل المرفق العمومي لا يطابق موقعها في علاقة الشغل: فهي تعمل في المؤسسة، لكنها لا تنتمي إلى جهازها الوظيفي، وتؤدي خدمة لفائدة الإدارة، لكنها ترتبط شغليا بشركة خاصة تعاقدت معها الإدارة بموجب صفقة أو عقد خدمات. ببساطة، عاملات وعمال المناولة يوجدون داخل المؤسسة التعليمية ويعملون لفائدتها، لكنهم لا ينتمون إلى موظفيها، لأن مشغلهم هو شركة خاصة تعاقدت معها الإدارة لتقديم الخدمة.
وهنا تتحدد دلالة المناولة: إنها فصل بين العمل والمرفق الذي يحتاج إليه. فالعامل يوجد داخل المؤسسة، ويؤدي عملا لا يستقيم المرفق بدونه، لكنه يوجد مهنيا خارجها، باعتباره أجيرا لدى شركة خاصة. وبذلك لا يعود المرفق العمومي هو الذي يوفر اليد العاملة اللازمة لخدماته، بل يشتري هذه الخدمات من السوق عبر الشركة.
هنا تظهر المفارقة الأساسية مرة أخرى: الوظيفة دائمة، بينما العامل غير مستقر؛ والحاجة إلى الخدمة مستمرة، بينما علاقة الشغل مرتبطة بصفقة محددة المدة، والشركة نفسها قابلة للتغيير عند انتهاء الصفقة. وهكذا يصبح استقرار المرفق العمومي قائما، جزئيا، على عدم استقرار اليد العاملة التي تؤدي وظائفه الضرورية.
كما أن هذا الفصل بين مكان العمل وصاحب العمل يعيد توزيع المسؤولية عن علاقة الشغل: فالإدارة تحتاج إلى العمل وتستفيد منه، والشركة تتولى تشغيل العامل، بينما يتحمل هذا الأخير نتائج هذا الترتيب، خاصة من حيث عدم الاستقرار والخوف من فقدان العمل عند انتهاء الصفقة أو تغيير الشركة.
لذلك، لا يمكن اختزال قضية عمال المناولة في مجرد علاقة بين أجير وشركة، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها نتيجة لنمط من تدبير العمل داخل المرفق العمومي، يجعل الخدمة التي يحتاجها المرفق دائمة، بينما تظل علاقة من يؤديها قابلة للانتهاء مع انتهاء الصفقة.
ومن هذه المفارقة (الخدمة دائمة، الحاجة إلى العمل ثابتة ≠ علاقة العامل بها مؤقتة، العامل قابل للاستبدال.)، تبدأ قراءة واقع عمال المناولة، ليس بوصفه مجموع حالات فردية من الهشاشة، وإنما باعتباره نتيجة لعلاقة مهنية وتنظيمية تفصل بين استقرار الخدمة واستقرار العمل.
ليست المسألة، إذن، أن العامل يوجد خارج المرفق الذي يعمل فيه، بل إن هذا الانفصال نفسه هو الذي ينبغي تفسيره. فحين تصبح حاجة المرفق إلى العمل دائمة، بينما يصبح العامل الذي يؤديه مؤقتا وقابلا للاستبدال، فإننا لا نكون أمام خلل عابر في علاقة الشغل، بل أمام شكل من تنظيم العمل يفصل بين استمرارية الخدمة واستقرار من يؤديها. إن المناولة تجعل قوة العمل ضرورية للمرفق، لكنها تفقد العامل شروط الاستقرار داخله، فتغدو الهشاشة أثرا من آثار النموذج نفسه. وهنا يطرح السؤال القانوني نفسه: ما جدوى النصوص التي تزعم حماية العامل، إذا ظلت عاجزة عن تغيير شروط العمل التي تنتج هشاشته؟ وتلك هي المسألة التي سنعود إليها في المحور الموالي.
III. الإطار القانوني للمناولة وحدود الحماية في الممارسة
في التناقض بين النص القانوني وعلاقات العمل التي ينتجها نموذج المناولة.
تخضع علاقة عمال شركات المناولة، من حيث الأصل، لمقتضيات القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل. وتكتسي المقتضيات المتعلقة بالمقاولة من الباطن أهمية خاصة، إذ تؤطر المادة 86 عقد المقاولة من الباطن، فيما تلزم المادة 87 المقاول من الباطن، باعتباره مشغلا، باحترام أحكام مدونة الشغل والنصوص المتعلقة بالضمان الاجتماعي وحوادث الشغل والأمراض المهنية. كما ترتب المواد 89 إلى 91، في حالات محددة، مسؤوليات على المقاول الأصلي تجاه بعض الالتزامات المتعلقة بالأجراء. أما علاقة المناولة بالصفقة العمومية، فتدخل ضمن الإطار الذي ينظمه المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، بما يتضمنه من قواعد تتصل بإبرام الصفقة وتنفيذها ومراقبتها.
يبدو الأمر، إذن، كما لو أن العامل محاط من كل جانب بالنصوص: قانون للشغل، ومقتضيات للمقاولة من الباطن، ونصوص للضمان الاجتماعي، وقواعد للصفقات العمومية، ودفاتر تحملات يفترض أن تحدد شروط تنفيذ الخدمة. لكن أين يوجد العامل في هذه المنظومة؟ هنا تبدأ المسألة الفعلية. فالمشكلة ليست أن القانون غائب، بل أن القانون، حين يدخل في علاقة مع واقع العمل، قد يفقد القوة التي يفترض أن تمنحه معنى اجتماعيا. إذ يمكن أن يكون الحق مقررا في النص، وأن يكون الالتزام محددا، وأن تكون الحماية منصوصا عليها، بينما يبقى العامل في موقع لا يستطيع فيه تحويل هذا الحق المكتوب إلى حق فعلي. بمعنى أبسط، القانون يقول إن للعامل حقا في الأجر والتعويض والراحة، لكن إذا لم يستطع العامل الحصول على هذه الحقوق فعليا، فإنها تبقى حقوقا مكتوبة أكثر منها حقوقا ممارسة.
وهكذا لا يعاني عمال المناولة من فقر في النصوص، بقدر ما يعانون من فقر في الحماية التي تنتجها هذه النصوص في واقع العمل. فالمغرب راكم ترسانة قانونية تتحدث عن الأجر ومدة العمل والراحة والضمان الاجتماعي والصحة والسلامة المهنية، لكن هذه الترسانة، رغم ما يعتريها من علات وثغرات، لا تكفي وحدها لتغيير علاقات العمل التي تجعل العامل في موقع الضعف.
فما قيمة أن ينص القانون على حق العامل إذا كان انتزاع هذا الحق قد يعرضه لخطر فقدان عمله؟ وما قيمة الالتزام القانوني إذا لم تكن وراءه مراقبة قادرة على فرضه، ولا جزاء قادر على ردع من ينتهكه؟ وما معنى أن يتضمن دفتر التحملات شروطا اجتماعية إذا بقيت هذه الشروط منفصلة عن آليات التنفيذ والمراقبة والمساءلة؟
هنا تظهر المفارقة التي تكشفها المناولة: كلما اتسعت دائرة النصوص، لا يعني ذلك بالضرورة أن دائرة الحماية قد اتسعت بالقدر نفسه. فقد يبقى النص في مستوى القانون، بينما يستمر العمل في مستوى آخر تحكمه علاقة القوة بين الشركة والعامل، وحاجة العامل إلى الأجر، وخوفه من فقدان مصدر رزقه، وشروط الصفقة التي لا يملك العامل أي قدرة على تحديدها.
ومن ثم، فإن المسافة بين القانون والعمل ليست مسافة تقنية. إنها مسافة اجتماعية، بمعنى أن المشكلة ليست مجرد خلل إداري في تنفيذ القانون، وإنما مرتبطة بموقع كل طرف داخل علاقة العمل وبميزان القوة بين العامل وصاحب العمل والدولة. لأن الذي يملك القدرة على استعمال القانون ليس هو نفسه الذي يتحمل نتائج عدم تطبيقه. العامل لا يضع الصفقة، ولا يحدد قيمتها، ولا يكتب دفتر التحملات، ولا يختار الشركة، لكنه يجد نفسه في النهاية داخل علاقة العمل التي تنتجها هذه الاختيارات جميعا.
ولهذا لا يمكن اختزال واقع المناولة في تجاوزات هذه الشركة أو تلك. فحين تتكرر الهشاشة، وضعف الأجر، ومشاكل التصريح الاجتماعي، وطول ساعات العمل، وعدم الاستقرار، والخوف من فقدان العمل، يصبح من الضروري الانتقال من سؤال من خالف القانون؟ إلى سؤال أعمق: ما هي الشروط التي تجعل خرق القانون ممكنا وقابلا للاستمرار؟
ومن هنا تتحدد مسؤولية الدولة في مستوى يتجاوز مجرد سن القوانين. فالدولة لا تكتفي بوضع الإطار القانوني، بل تحدد شروط الصفقة، وتضع دفتر التحملات، وتختار طريقة تدبير الخدمة، وتملك أدوات المراقبة والجزاء. ولذلك فإن حماية العامل لا تبدأ فقط من علاقة الأجير بالمقاولة، بل تبدأ أيضا من الشروط التي تنتج هذه العلاقة داخل الصفقة العمومية. أي أن وضع العامل لا يتحدد فقط بما يحدث بينه وبين الشركة بعد تشغيله، بل يتحدد قبل ذلك، منذ اللحظة التي تصمم فيها الإدارة الصفقة التي ستنتج علاقة العمل أصلا.
فإذا كانت كلفة الصفقة لا تضمن الكلفة الاجتماعية الحقيقية للعمل، أي إذا كانت قيمة الصفقة تحسب فقط ثمن الخدمة التي تريدها الإدارة، ولا تتضمن الكلفة الفعلية والقانونية لتشغيل العامل في شروط لائقة؛ أي الأجر المستحق قانونا، التصريح الكامل في CNSS، العطل والراحة الأسبوعية، الساعات الإضافية وتعويضاتها، التأمين عن حوادث الشغل، وسائل الصحة والسلامة المهنية، معدات العمل والحماية، التكاليف الاجتماعية المرتبطة بالتشغيل، وعدد العمال الضروريين لإنجاز الخدمة دون تحميل العامل ساعات أو مهاما غير مبررة…وإذا لم تحدد شروط العمل بصورة دقيقة، وإذا لم تخضع هذه الالتزامات لمراقبة فعلية، فإن الصفقة لا تعود مجرد أداة لشراء الخدمة، بل تصبح آلية لإعادة تنظيم العمل بما يسمح بنقل جزء من كلفة الخدمة العمومية من المرفق إلى العامل، عبر الضغط على الأجر، أو تقليص عدد العمال، أو إطالة ساعات العمل، أو تحميل العامل أعباء وحقوقا لا يحصل مقابلها على ما يستحق.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل توجد نصوص تحمي العامل؟ فالنصوص موجودة، رغم علاتها وثغراتها. وإنما يصبح السؤال: ماذا تفعل هذه النصوص فعليا داخل علاقات العمل؟
إذا ظل العامل هشا رغم القانون، ومهددا بفقدان عمله رغم القانون، ومضطرا إلى النضال من أجل حقوق يقرها القانون أصلا، فإن المشكلة لا تكون في نقص النصوص وحده، بل في الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تمنع النص من التحول إلى قوة فعلية في علاقة العمل.
لذلك، فإن المطلوب ليس إضافة نصوص جديدة لتجميل الصورة القانونية، وإنما مساءلة شروط إنتاج الواقع الذي يفترض أن تنظم هذه النصوص. أي مساءلة الشروط التي تجعل هذه الحقوق، رغم وجودها في النصوص، لا تتحول إلى واقع فعلي داخل أماكن العمل. فالقانون لا يكتسب قيمته الاجتماعية من وجوده في الجريدة الرسمية، بل من قدرته على فرض نفسه في مكان العمل، وحماية الطرف الأضعف، وردع من يملك القدرة على خرقه.
ومن هنا ينتقل البحث من قانون الشغل إلى حكامة الصفقة العمومية: من يحدد كلفة الخدمة؟ كيف تحسب الكلفة الاجتماعية للعمل؟ كيف تتحول الحقوق القانونية إلى شروط مالية وتقنية واجتماعية ملزمة داخل الصفقة؟ من يراقب تنفيذها؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تنفذ؟ وما الجزاء الذي يجعل احترامها أمرا مفروضا لا خيارا متروكا للشركة؟
ذلك أن النص الذي لا يجد طريقه إلى مكان العمل يبقى نصا، والحق الذي لا يستطيع العامل ممارسته يبقى حقا على الورق. أما الحماية الحقيقية فلا تبدأ من كثرة النصوص، بل من تحويلها إلى قوة اجتماعية ومؤسساتية قادرة على تغيير علاقة العامل بالعمل، وعلاقة الشركة بالصفقة، وعلاقة الدولة بالمرفق العمومي.
وعندها فقط يمكن أن ننتقل من قانون ينظم واقع الهشاشة إلى قانون يساهم في تفكيك شروط إنتاج الهشاشة.
IV. حجم الظاهرة
حين يصبح غياب الأرقام جزء من المشكلة
لا نتوفر، في حدود المعطيات التي أمكن الوقوف عليها، على قاعدة بيانات وطنية رسمية وموحدة ومحيّنة تكشف الحجم الحقيقي لعمال المناولة في قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. وقد يبدو غياب هذا الرقم لأول وهلة مجرد نقص في المعطيات الإحصائية، لكنه في الحقيقة يطرح سؤالا يتجاوز الإحصاء إلى الحكامة والشفافية والمسؤولية العمومية.
فكيف يمكن مناقشة ظاهرة بهذا الحجم دون أن نعرف عدد الذين يعيشونها؟ كم يبلغ عدد عمال وعاملات المناولة في القطاع؟ كم منهم في النظافة، وكم منهم في الحراسة، وكم منهم في الإطعام والطبخ والداخليات والصيانة والخدمات المساندة؟ كم عددهم حسب الجهات والأقاليم؟ وما نسبة النساء منهم؟ وكم عدد الشركات التي تتولى هذه الخدمات؟ وكم تبلغ القيمة الإجمالية للصفقات المبرمة سنويا؟ وما الجزء الذي يذهب فعليا إلى اليد العاملة من هذه الاعتمادات؟ وما حجم الأموال التي تنفق على خدمة واحدة وعلى عامل واحد؟ ثم ماذا يحدث عند انتهاء الصفقة؟ كم شركة تدخل السوق وكم شركة تخرج منه؟ كم عاملا يستمر في عمله عند انتقال الصفقة من شركة إلى أخرى، وكم عاملا يفقد عمله؟ وما مصير الأقدمية والحقوق المكتسبة؟ وكم عدد النزاعات والشكايات المرتبطة بهذه الصفقات؟ وكم مرة عوقبت الشركات بسبب عدم احترام التزاماتها؟ وكم صفقة فسخت بسبب اختلالات في التنفيذ؟
هذه ليست أسئلة إحصائية هامشية؛ إنها أسئلة سياسية تتعلق بحق المجتمع في معرفة كيف تدار خدمة عمومية، وكيف تنفق الأموال العمومية، وعلى حساب من تنتج هذه الخدمة. فحين لا نعرف عدد العمال، ولا حجم الصفقات، ولا كلفة اليد العاملة، ولا نتائج المراقبة، يصبح من الصعب قياس حجم الظاهرة، ومساءلة المسؤولين عنها، وتقييم حقيقة ما إذا كانت المناولة تحقق فعلا النجاعة التي تقدم بها أم أنها تخفي كلفة اجتماعية لا تظهر في أرقام الصفقات.
ومن هنا يصبح غياب المعطيات نفسه معطى ينبغي مساءلته. فإذا كانت الدولة تبرم صفقات عمومية باسم المرفق العمومي وبالمال العمومي، فمن حق العامل والرأي العام والنقابات أن تعرف: كم تنفق الدولة؟ مع من تتعاقد؟ ماذا تشتري؟ كم عاملا تشغله الصفقة؟ وبأي شروط؟ وكيف تراقب تنفيذها؟ إن المطالبة بهذه المعطيات ليست مجرد مطالبة إحصائية، بل هي مطالبة بحق الرقابة على تدبير المال والمرفق العموميين. لذلك نطالب وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالإفصاح عن قاعدة بيانات وطنية شاملة ومحيّنة لعمال المناولة وصفقات الخدمات. فلا يمكن أن تكون المعطيات المتعلقة بالمال العمومي وباليد العاملة التي تنتج الخدمة العمومية سرا إداريا. وما دامت الوزارة تبرم هذه الصفقات باسم المرفق العمومي وبالمال العمومي، فإن الإفصاح عن معطياتها الأساسية ليس منة من الإدارة، بل جزء من مقتضيات الشفافية والمساءلة.
غير أن غياب هذه المعطيات الرسمية، والتعتيم الذي يحيط بجزء من أرقام الصفقات وحجم اليد العاملة وشروط تشغيلها، لا يعني أن هذه الدراسة ستترك الظاهرة بلا أرقام أو معطيات. فقد اعتمدنا، إلى جانب ما أمكن الوصول إليه من وثائق ومعطيات متاحة، على التقارير والمعطيات التي وفرها رفاقنا ورفيقاتنا، مسؤولو ومسؤولات الجامعة الوطنية للتعليم FNE بمختلف المديريات الإقليمية، باعتبارهم في تماس مباشر مع واقع عمال المناولة ومع قضاياهم اليومية.
وعليه، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم عدد عمال المناولة؟ بل أيضا: لماذا لا نملك، إلى اليوم، صورة وطنية واضحة عن هذه الفئة وعن الأموال العمومية التي تدبر من خلالها خدماتها؟ ومن هنا تجعل الدراسة من الكشف عن المعطيات وبناء قاعدة بيانات وطنية مفتوحة ومحيّنة مدخلا ضروريا لفهم الظاهرة ومساءلتها؛ لأن ما لا يظهر في الأرقام يظل خارج الرقابة، وما يظل خارج الرقابة يمكن أن يستمر خارج المساءلة.
V. الهشاشة المهنية
حين يدفع العامل ثمن نموذج غير مستقر
لا تظهر هشاشة عمال المناولة باعتبارها مجموعا من الاختلالات المنفصلة التي يمكن رد كل واحدة منها إلى خطأ ارتكبته هذه الشركة أو تلك. إنها، في جانب أساسي منها، نتيجة لطريقة تنظيم العمل نفسها: خدمة دائمة داخل المرفق العمومي، يقابلها تشغيل مرتبط بشركة وصفقة محددة المدة. ومن هنا يصبح العامل هو الطرف الذي يتحمل عدم استقرار العلاقة التي لم يكن هو من وضع شروطها.
1. هشاشة الاستقرار المهني:
تتخذ هشاشة الاستقرار المهني لدى عمال المناولة شكلين مترابطين: هشاشة مكان العمل، وهشاشة الاستمرار في العمل. فمن جهة، قد يتحول التنقيل إلى مؤسسة بعيدة عن مقر السكن إلى أداة لإثقال العامل بكلفة إضافية في الوقت والتنقل، بل وإلى وسيلة للضغط عليه. ومن جهة أخرى، يظل استمرار العمل نفسه معلقا بمصير الشركة والصفقة؛ فبانتهاء الصفقة أو تغير الشركة، لا تنتهي حاجة المؤسسة إلى الخدمة، وإنما يصبح العامل وحده مهددا بفقدان موقعه. وهكذا يستقر العمل في المرفق، فيما يبقى العامل معلقا بمصير الصفقة والشركة.
2. الأجر: حين تتحول كلفة الصفقة إلى ضغط على قوة العمل:
يمثل الأجر الوجه الأكثر مباشرة للعلاقة بين العامل والنموذج الاقتصادي للمناولة. غير أن الحديث عن أجور عمال المناولة يقتضي الحذر من تعميم أرقام جزئية أو تصريحات نقابية وبرلمانية باعتبارها متوسطا وطنيا. لنقم بعملية بسيطة. إذا كانت قيمة الحد الأدنى لساعة عمل واحدة من سنة 2015 إلى يونيو 2019، هي 13,46 درهم؛ وإذا كان عمال الحراسة يشتغلون 12 ساعة في اليوم حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع؛ فأن عدد ساعات العمل سيكون هو 360 أو 372 ساعة في الشهر. معناه أن أجر عامل الحراسة الشهري هو 360×13,46= 4 845,6 درهم. أو 372×13,46 = 5 007,12 درهم.
لم يتجاوز أجر عامل الحراسة 2000 درهم قبل سنة 2019، في مفارقة تكشف أن هشاشة العامل لم تكن مجرد نتيجة لتجاوز عابر، بل كانت جزء من علاقة شغل جعلت من قوة عمله الأقل كلفة في إنتاج الخدمة. ومن هنا اتخذ مناضلو ومناضلات الجامعة الوطنية للتعليم FNE الدفاع عن هذه الفئة موقعا نضاليا ثابتا، لا باعتباره دفاعا عن امتياز، وإنما عن حق قانوني واجتماعي في أجر يحترم الحد الأدنى المقرر. إن هذا النضال إلى جانب العمال، هو الدليل العملي على أن الحق لا يصبح حقا فعليا بمجرد أن يكتبه القانون، بل حين ينتزع العامل شروط ممارسته في واقع العمل.
فكيف تحدد أجور العمال داخل الصفقة إذن؟ وما الجزء من القيمة المالية للصفقة الذي يخصص فعليا للعمل؟ وهل تكفي الكلفة المرصودة لتغطية الحقوق الاجتماعية والقانونية للعامل؟
حينما تضغط الصفقة نحو خفض الكلفة، لا تختفي كلفة العمل؛ وإنما قد يعاد توزيعها داخل علاقة الشغل، في صورة أجر منخفض، أو ساعات عمل أطول، أو عدد أقل من العمال، أو تحميل العامل مهاما إضافية. وبذلك لا يعود الأجر مجرد مسألة بين العامل والشركة، بل يصبح جزء من اقتصاد الصفقة نفسها.
3. مدة العمل: حين يصبح الزمن نفسه مجالا للاستغلال
إذا كان العامل يبيع قوة عمله، فإن الزمن الذي تباع فيه هذه القوة يصبح أحد أهم ميادين الصراع. ولذلك كانت ساعات العمل، ولا تزال، من أكثر مظاهر هشاشة المناولة وضوحا، وخصوصا في قطاع الحراسة الخاصة. فلسنوات، كان عمال الحراسة يخضعون لنظام سمح عمليا بالعمل لمدة 12 ساعة يوميا، مع احتساب الأجر على أساس مدة العمل العادية، في ظل تصنيف قانوني للأعمال ذات الطبيعة المتقطعة.
4. علاقة زمن العمل وقيمة قوة العمل:
• عمال الحراسة: قبل تعديل المادة 193، لم يكن الاستغلال كامنا فقط في طول ساعات العمل، بل في العلاقة التي أقيمت بين زمن العمل وقيمة قوة العمل. فإذا كان حارس الأمن الخاص يشتغل، وفق نظام 12 ساعة، حوالي 360 ساعة في الشهر، بينما كان أجره لا يتجاوز 2000 درهم، فإن هذا الأجر، باحتساب الحد الأدنى للأجر آنذاك، لا يعادل سوى حوالي 149 ساعة من العمل. وبحسب هذا الاحتساب، كان العامل يضع قوة عمله تحت تصرف المشغل لمدة تقارب 360 ساعة، بينما لا يقابل أجره سوى ما يعادل 149 ساعة؛ أي أن الفارق يبلغ حوالي 212 ساعة شهريا. أي أن فارق الاجر كذلك حوالي 2 840,60 درهم.
• عاملات الطبخ: ولا يختلف الأمر في حالة عاملات الطبخ والإطعام؛ فهنا أيضا يجري فصل زمن العمل عن زمن الأجر. فإذا كانت طريقة احتساب العمل تعتبر أن العاملة تؤدي خمس ساعات فقط في اليوم، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند هذه الساعات المحسوبة، بل ينبغي أن ينظر إلى زمن العمل الفعلي الذي يتطلبه إنتاج الوجبة: إعداد المواد وتنقيتها وغسلها وتقطيعها، ثم الطبخ، والتقديم، وما يرافق ذلك من ترتيب وتنظيف، إلى حين انتهاء الخدمة. إن جزء من زمن العاملة يصبح خارج الزمن الذي يعترف به الأجر. وهنا تتكرر المفارقة نفسها: الخدمة تحسب في الصفقة على أساس، والعمل الفعلي يجري على أساس آخر، والفارق بينهما تتحمله العاملة من زمنها وقوة عملها.
• عاملات النظافة: نفس الأمر بالنسبة إلى عاملات النظافة؛ فإذا حددت الصفقة لهن ثلاث ساعات في اليوم، فإن الزمن المحتسب لا يعكس بالضرورة الزمن الذي يتطلبه إنجاز العمل فعليا. فالعاملة لا تنتهي مهمتها بانتهاء الساعات الثلاث، بل بإنجاز ما يطلب منها من تنظيف الأقسام والمرافق الصحية والممرات والساحات وجمع النفايات وإعادة تهيئة الفضاءات. فإذا تجاوز حجم العمل هذه المدة، امتد زمن العمل فعليا دون أن يجد الزمن الإضافي مقابله في الأجر، وقد تتحول هشاشة العاملة وخوفها من فقدان مصدر رزقها إلى وسيلة للضغط عليها من أجل القبول بساعات إضافية أو مهام تتجاوز ما هو محدد لها، بل قد تتعرض أيضا لأشكال من التحرش أو الاستغلال. وهنا لا تعود المسألة مجرد فرق بين ثلاث ساعات وزمن عمل أطول، بل تكشف عن فصل بين الزمن الذي يتطلبه العمل والزمن الذي يُعترف به كعمل. ثم إن مجرد احتساب ثلاث ساعات باسم القانون لا يكفي للقول إننا أمام عمل كريم؛ فالعمل الكريم يفترض أجرا يضمن الحد الأدنى من العيش، واستقرارا وحماية اجتماعية وظروف عمل تحفظ الكرامة وتصون العاملة من الضغط والتحرش. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كم ساعة يعترف بها القانون؟ بل هل ينتج هذا التنظيم شروط عمل تحفظ للعاملات كرامتهن واستقرارهن وحقوقهن؟
لا يختلف الأمر، رغم اختلاف المهن، بين حارس الأمن وعاملة الطبخ وعاملة النظافة. ففي الحالات الثلاث يظهر الفصل نفسه بين الزمن الذي يتطلبه العمل والزمن الذي يعترف به الأجر.
فالحارس الذي كان يشتغل نحو 360 ساعة شهريا مقابل 2000 درهم كان يضع قوة عمله تحت تصرف المشغل لما يقارب ضعف المدة العادية، دون أن يعكس أجره هذا الزمن. وعاملة الطبخ قد يتجاوز زمن إعداد الوجبات وتقديمها وتنظيف فضاء العمل الساعات المعتمدة في احتساب عملها. وكذلك عاملة النظافة، التي قد تحدد لها ثلاث ساعات، بينما يتطلب حجم المهام زمنا أطول، وقد تدفعها هشاشتها والخوف من فقدان العمل إلى قبول ساعات إضافية لا تحتسب ولا تؤدى.
هنا لا يعود الأمر مجرد انخفاض في الأجر أو تجاوز في ساعات العمل، بل يصبح مسألة تتعلق بكيفية احتساب قيمة قوة العمل نفسها. فالزمن الذي لا يدخل في حساب الأجر لا يختفي؛ إنما تتحمل العاملة أو العامل كلفته من وقته وقوة عمله. ومن ثم لا يكفي أن نسأل: كم يتقاضى العامل؟ بل ينبغي أن نسأل: كم من الزمن يضع قوة عمله تحت تصرف المشغل، وكم من هذا الزمن يتحول فعليا إلى أجر؟
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية للمناولة: الخدمة دائمة، والعمل ضروري، لكن جزء من كلفة إنتاجه يمكن أن ينقل إلى العامل نفسه، في صورة زمن عمل إضافي، وأجر منخفض، وعدم استقرار، وخوف من فقدان مصدر الرزق.
1. المستجد القانوني: القانون رقم 32.26 وإنهاء نظام 12 ساعة
مكسب يخص حراس الأمن الخاص ولا يشمل عاملات الطبخ والنظافة
جاء القانون رقم 32.26 ليعدل المادة 193 من مدونة الشغل فيما يتعلق بفئة حراس الأمن الخاص العاملين لدى شركات الحراسة، فأخرجهم من التصنيف الذي كان يتيح إدراج عملهم ضمن الأعمال ذات الطبيعة المتقطعة، وأخضعهم لمدة الشغل العادية المنصوص عليها في المادة 184. ولذلك لا ينبغي تعميم أثر هذا التعديل على جميع عمال المناولة؛ فالقانون 32.26 يستهدف حراس الأمن الخاص تحديدا، ولا يقدم، في حد ذاته، أي مقتضى جديد يتعلق بعاملات الطبخ أو النظافة.
وتكمن دلالة هذا التعديل في أنه ألغى، بالنسبة إلى الفئة المستهدفة، أساسا قانونيا كان يسمح بتنظيم العمل وفق نظام خاص. أما بالنسبة إلى عاملات الطبخ والنظافة، فإن وضعهن القانوني لا يتغير بهذا القانون، وتظل قضايا مدة العمل والأجر وشروط التشغيل خاضعة للمقتضيات القانونية والتنظيمية التي تؤطر علاقات شغلهن.
ومن هنا ينبغي ألا تتحول قراءة القانون 32.26 إلى تعميم مضلل: لقد تغير النص بالنسبة إلى حراس الأمن الخاص، لكن لم يتغير النص بالنسبة إلى باقي فئات عمال المناولة. ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان القانون قد تدخل لإعادة تنظيم زمن عمل الحراس، فما الذي يضمن لعاملات الطبخ والنظافة أن الزمن الذي يضعنه فعليا تحت تصرف المشغل يطابق الزمن المحتسب في أجورهن وعقودهن وصفقاتهن؟
وهنا تظهر المسألة في بعدها الاجتماعي: الاستثناء الذي أزيل بالنسبة إلى حراس الأمن الخاص لا ينبغي أن يحجب الاستثناءات الواقعية التي قد تستمر في إنتاج الهشاشة لدى فئات أخرى. فالمطلوب ليس فقط تغيير النص حيث ثبت اختلاله، بل مساءلة الطريقة التي ينظم بها العمل كله داخل المناولة، حتى لا يبقى القانون يحمي فئة بينما تظل فئات أخرى معلقة بين الزمن الفعلي للعمل والزمن الذي يعترف به الأجر.
وباختصار، فإن القانون 32.26 يمثل مكسبا لحراس الأمن الخاص، لكنه لا يحل قضية عمال المناولة ككل، ولا سيما عاملات الطبخ والنظافة، إذ تظل أسئلة زمن العمل والأجر وشروطه مطروحة بالنسبة إليهن خارج نطاق هذا التعديل. كما أن هذا المكسب لم يكن هبة من الدولة، بل ثمرة صراع اجتماعي وضغوط ونضالات متواصلة أجبرت النص القانوني على أن يتغير أمام واقع لم يعد ممكنا الاستمرار في تأطيره بالشكل القديم. ومن هنا لا تكمن دلالة القانون في صدوره وحده، بل في القوة الاجتماعية التي جعلت تغييره ممكنا وفي النضال القادر على تحويل الاعتراف القانوني إلى تغيير فعلي في شروط العمل. لذلك ينبغي أن يكون هذا المكسب حافزا لكل الفئات التي تعاني الهشاشة والاضطهاد: فما انتزع بالنضال يمكن انتزاعه بالنضال، وما يبدو ثابتا في القانون ليس قدرا نهائيا حين تتغير موازين القوى الاجتماعية.
من هشاشة العامل إلى هشاشة النموذج
وعليه، فإن الأجر، والاستقرار، ومدة العمل، والتصريح الاجتماعي، والعطل، والصحة والسلامة المهنية، ليست ملفات منفصلة. إنها وجوه مختلفة لعلاقة واحدة: علاقة تجعل العمل ضروريا للمرفق، لكنها لا تمنح بالضرورة لمن يؤديه الاستقرار الذي تقتضيه ضرورة العمل نفسه.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تكشفها الدراسة: كلما كانت الخدمة أكثر ضرورة واستمرارية، كان من المفترض أن يكون العمل أكثر استقرارا؛ لكن نموذج المناولة يفصل بين الاثنين، فيثبت الحاجة إلى الخدمة ويجعل العامل قابلا للاستبدال.
ومن ثم، فإن المطلوب نقابيا ليس فقط معالجة كل انتهاك على حدة، بل مساءلة الشروط التي تنتج هذه الانتهاكات، وتحويل القانون من نص يعلن الحماية إلى أداة فعلية لفرضها، وجعل الصفقة العمومية متوافقة مع حقوق العامل لا على حسابها.
فإذا كان القانون 32.26 قد أغلق بابا من أبواب الاستغلال الزمني، فإن المعركة الحقيقية تبدأ الآن: من يضمن ألا يفتح نموذج المناولة بابا آخر للاستغلال؟
VI. من العامل إلى الصفقة
كيف تنتج الصفقة شروط الهشاشة؟
لا يكفي أن نرد واقع عمال المناولة إلى جشع بعض الشركات أو إلى تجاوزات هذا المشغل أو ذاك. فالشركة لا تعمل خارج شروط محددة سلفا، وإنما تتحرك داخل منظومة تصوغها الصفقة العمومية ودفتر التحملات، بما يتضمنه ذلك من تحديد لطبيعة الخدمة وكلفتها وعدد العمال وشروط العمل وآليات التنفيذ والمراقبة.
الهشاشة لا تنتجها الشركات وحدها.
لا يكفي تفسير هشاشة عاملات وعمال المناولة بجشع بعض الشركات أو بتجاوزات هذا المشغل أو ذاك، لأن الشركة لا تعمل في فراغ. إنها تعمل داخل شروط تحددها الصفقة العمومية: طبيعة الخدمة، كلفتها، عدد العمال، زمن العمل، شروط التنفيذ وآليات المراقبة. ومن ثم فإن علاقة العامل بالشركة ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ من الطريقة التي تصاغ بها الصفقة.
لذلك لا يكفي أن نسأل: هل تحترم الشركة حقوق العامل/ة؟ بل ينبغي أن نسأل قبل ذلك: هل تسمح شروط الصفقة نفسها باحترام هذه الحقوق؟ فإذا حددت الخدمة بكلفة لا تستوعب الكلفة الاجتماعية الحقيقية للعمل، فإن الضغط على كلفة الصفقة لا يختفي، بل ينتقل إلى قوة العمل، في صورة أجور ضعيفة، أو ساعات عمل أطول، أو عدد أقل من العمال، أو مهام إضافية، أو شروط أكثر قسوة للصحة والسلامة.
وهنا تصبح الصفقة أكثر من مجرد عقد لشراء خدمة؛ إنها إطار لإنتاج علاقة العمل نفسها. فعدد العمال، وساعات العمل، وطبيعة المهام، والأجر والحقوق الاجتماعية، والتصريح في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتأمين، ووسائل الحماية، وشروط الصحة والسلامة، واستمرارية العمل، وآليات المراقبة والجزاء، كلها عناصر ينبغي أن تكون محددة بوضوح داخل دفتر التحملات، وقابلة للتنفيذ والمراقبة.
ومن هنا لا يمكن حصر المسؤولية في الشركة وحدها، لأن شروط العمل تكون قد تحددت، في جانب منها، قبل وصول العامل إلى مكان العمل. فإذا كانت الصفقة لا تضمن الموارد والكلفة الضرورية لاحترام الحقوق، فإن مطالبة الشركة وحدها بالامتثال للقانون تظل معالجة لنتيجة أنتجتها شروط سابقة.
وعليه، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من خالف القانون؟ بل: كيف صممت الصفقة، وهل صممت على نحو يجعل احترام حقوق العامل ممكنا وملزما وقابلا للمراقبة؟
VII. تكلفة المناولة لا تقاس بثمن الصفقة وحده
الكلفة الخفية للمناولة
من الضروري فتح نقاش يتجاوز الرقم الذي تدفعه الوزارة للشركة، لأن كلفة المناولة لا تختزل في القيمة المالية المسجلة في الصفقة. فحين نقارن بين التدبير المباشر والمناولة، ينبغي أن نحسب أيضا ما يترتب عن هذا الاختيار من كلف غير ظاهرة في مبلغ الصفقة، من إعداد الصفقات ومراقبة تنفيذها، إلى تغيير الشركات وتسوية النزاعات الاجتماعية، وضمان استمرارية الخدمة، وإعادة تكوين العمال، ومراقبة الأجور والتصريح الاجتماعي والالتزامات القانونية، فضلا عن الكلفة التي قد تنتج عن عدم الاستقرار وعن تراجع جودة الخدمة.
ومن هنا لا يصح أن يكون السؤال فقط: كم تدفع الوزارة للشركة؟ بل ينبغي أن يصبح: كم تكلف المناولة المرفق العمومي في مجموعها، وما الذي تحصل عليه المؤسسة مقابل هذه الكلفة؟
فالمقارنة الجدية لا تكون بين رقمين في دفتر الحسابات، وإنما بين نموذجين في تدبير العمل والخدمة: نموذج يقوم على التوظيف والتدبير العمومي المباشر، ونموذج يقوم على شراء الخدمة من المقاولة الخاصة. ولا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر من الناحية المالية دون معرفة القيمة الحقيقية للصفقات، وكلفة اليد العاملة، وكلفة المراقبة، وكلفة تغيير الشركات، وكلفة النزاعات، وكلفة عدم الاستقرار، ثم مقارنة ذلك كله بمستوى الخدمة المقدمة.
وعليه، تقترح الدراسة إنجاز دراسة مقارنة للكلفة الحقيقية للمناولة، لا تقيس فقط ما تدفعه الدولة للشركة، بل تقيس مجموع ما يترتب عن هذا الاختيار من كلفة مالية واجتماعية وتدبيرية، لأن ما يبدو أقل كلفة في الصفقة قد يكون أكثر كلفة حين تحسب نتائجه كاملة.
VIII. تعدد المتدخلين وتوزيع المسؤولية
من المسؤول عن هشاشة العامل؟
لا تنتج المناولة علاقة مباشرة بين العامل والمشغل فقط، بل تُدخل العامل في شبكة من العلاقات تتوزع فيها مواقع القرار والتنفيذ والمراقبة: الوزارة، ثم الأكاديمية، فالمديرية الإقليمية، فإدارة المؤسسة، ثم الشركة، وصولا إلى العامل. وهذا التعدد لا يعني بالضرورة تعدد المسؤوليات بالمعنى نفسه، لكنه قد يجعل المسؤولية موزعة إلى الحد الذي تصبح فيه ضائعة بين المتدخلين.
فالعامل يوجد في المؤسسة، ويؤدي خدمة تحتاجها يوميا، وتراقب الإدارة نتائجها، لكنه لا يرتبط بها بعقد شغل مباشر. والشركة هي المشغل القانوني المباشر، لكنها لا تختار وحدها لا طبيعة الخدمة ولا شروطها ولا كلفتها، وإنما تعمل داخل صفقة تحدد الإدارة شروطها. ومن هنا تظهر المفارقة: من يملك سلطة تحديد شروط العمل ليس بالضرورة هو من يظهر في موقع المشغل، ومن يظهر في موقع المشغل ليس بالضرورة هو من يحدد الشروط التي تنتج علاقة العمل.
لهذا لا ينبغي أن نبحث عن مسؤول واحد ونحمّله وحده نتائج نموذج متعدد المستويات، بل ينبغي تفكيك المسؤولية بحسب موقع كل طرف في إنتاج هذه العلاقة.
مسؤولية الدولة لا تتحدد فقط في احترام القوانين، بل تشمل اختيار نموذج تدبير الخدمة، وتحديد شروط الصفقة وكلفتها، وإدراج الحقوق الاجتماعية في دفتر التحملات، وضمان مراقبة التنفيذ ومساءلة المتعاقدين. فهي صاحبة المرفق العمومي وصاحبة القرار في الطريقة التي ينظم بها العمل داخله.
ومسؤولية الشركة تظل قائمة باعتبارها المشغل المباشر، فهي التي ترتبط بالعامل بعلاقة الشغل، وتتحمل مسؤولية احترام أجره وحقوقه الاجتماعية وشروط عمله، ولا يمكن أن تتحول الصفقة إلى ذريعة للتنصل من هذه المسؤولية.
أما مسؤولية النقابة فتختلف في طبيعتها؛ فهي لا تحل محل الدولة أو الشركة في تحمل الالتزامات القانونية، وإنما تتمثل في تنظيم العمال، وكشف الاختلالات، والدفاع عن الحقوق، ومراقبة شروط العمل، وبناء القوة الجماعية التي تمكن العمال من مواجهة الهشاشة وتغيير الشروط التي تنتجها.
ومن هنا، فإن فهم المناولة يقتضي الانتقال من سؤال “من المسؤول؟” بصيغته المبسطة إلى سؤال أكثر دقة: كيف تتوزع مواقع القرار والتنفيذ والمراقبة، وكيف تتوزع معها المسؤولية عن النتائج التي تنتجها هذه المنظومة؟
فالمسؤولية قد تتعدد مستوياتها، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتضييعها؛ إذ لا يجوز أن يصبح تعدد المتدخلين تعددا في مخارج المسؤولية.
خلاصة المحور: من تعدد المتدخلين إلى وضوح المسؤولية
إذا كانت المناولة قد وزعت العمل بين الدولة والإدارة والشركة والعامل، فلا ينبغي أن تسمح بتوزيع المسؤولية حتى تضيع. يجب إعادة بناء سلسلة المسؤولية نفسها: من يقرر نموذج المناولة يتحمل مسؤولية اختياره، ومن يحدد شروط الصفقة يتحمل مسؤولية شروطها، ومن يشغل العامل يتحمل مسؤولية حقوقه، ومن يراقب التنفيذ يتحمل مسؤولية المراقبة.
ومن هنا ينبغي أن تصبح الصفقة العمومية إطارا لا لتنظيم شراء الخدمة فقط، بل لضمان الشروط التي يتم في ظلها إنجازها، بما يضمن حقوق العامل ويمنع أن تتحول كلفة الخدمة إلى كلفة يتحملها من يؤديها. وذلك بتحديد عدد العمال وساعات عملهم وأجورهم وحقوقهم الاجتماعية وشروط الصحة والسلامة وآليات المراقبة والجزاء بشكل صريح وقابل للتحقق، مع إلزام الإدارة بنشر معطيات الصفقات ونتائج تنفيذها. كما ينبغي ألا تبقى النقابة في موقع رد الفعل أمام الانتهاكات، بل أن تجعل من تنظيم العمال ومراقبة الصفقات وكشف اختلالاتها وبناء قوتهم الجماعية وسيلة للتدخل في الشروط التي تنتج الهشاشة نفسها.
فالمسألة في النهاية ليست فقط من يشغل العامل، بل من يحدد شروط العمل التي يعمل في ظلها؛ وحين تتحدد المسؤولية بوضوح، لا يعود تعدد المتدخلين تعددا في مخارج المسؤولية.
IX. من حماية العامل إلى تغيير نموذج المناولة
نهاية المناولة؟
إذا كان تحليل المناولة قد كشف أن الهشاشة لا تنتج فقط من تجاوزات الشركات، بل ترتبط أيضا بطريقة تنظيم الخدمة وشروط الصفقة وموقع العامل داخلها، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتوقف عند مطالبة الشركة باحترام بعض الحقوق. المطلوب هو التحرك على مستويات مترابطة: ضمان الحقوق القائمة، حماية العامل من آثار تغيير الشركة، ثم إعادة النظر في أصل نموذج المناولة بالنسبة إلى الخدمات الدائمة والأساسية.
أولا: ضمان الحقوق التي لا تحتاج إلى انتظار
قبل الحديث عن مستقبل المناولة، لا يمكن أن يكون العامل هو من يدفع ثمن الانتقال من نموذج إلى آخر. فالحقوق التي يقرها القانون ليست مطالب مؤجلة، ولا ينبغي أن تصبح موضوعا للتفاوض مع كل صفقة جديدة.
لذلك فإن الحد الأدنى المطلوب هو ضمان الأجر القانوني وأدائه في آجاله، والتصريح الكامل والحقيقي لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واحترام مدة العمل والراحة الأسبوعية والعطل القانونية، وأداء الساعات الإضافية وفق المقتضيات الجاري بها العمل، وتوفير شروط الصحة والسلامة والتأمين عن حوادث الشغل، واحترام طبيعة المهام المتفق عليها، وضمان الحق في التنظيم النقابي وممارسة الحريات النقابية دون تضييق.
لكن ضمان هذه الحقوق لا ينبغي أن يبقى مجرد التزام يقع على الشركة في علاقتها بالعامل. بل يجب أن تصبح هذه الحقوق جزءا واضحا من شروط الصفقة ودفتر التحملات، وأن تكون قابلة للتحقق والمراقبة، لأن الحق الذي لا توجد آلية للتأكد من احترامه يظل معرضا لأن يتحول إلى حق مكتوب فقط.
ثانيا: تغيير الشركة لا ينبغي أن يعني فقدان العامل لعمله
إذا كانت الخدمة مستمرة داخل المؤسسة، فإن تغيير الشركة التي تتولى تنفيذها لا ينبغي أن يحول كل مرة إلى نقطة بداية جديدة لعلاقة العامل بالعمل. فالعامل قد يكون قد أمضى سنوات في المؤسسة واكتسب خبرة ومعرفة بظروفها واحتياجاتها، ثم يجد نفسه، بمجرد انتقال الصفقة إلى شركة أخرى، أمام خطر فقدان العمل أو ضياع الأقدمية أو الحقوق المكتسبة.
وهنا ينبغي الانتقال من منطق تغيير الشركة وتغيير العمال إلى منطق آخر يفصل بين استمرارية الخدمة وتغير المتعهد. المطلوب هو وضع إطار قانوني وتنظيمي واضح يضمن، وفق الآليات التي يقرها المشرع، استمرارية العمل وحماية الأقدمية والحقوق المكتسبة عند انتقال الخدمة من شركة إلى أخرى، بما يمنع أن يتحول انتهاء الصفقة إلى وسيلة لإعادة إنتاج هشاشة العامل من الصفر.
فإذا بقي العامل مهددا بفقدان عمله كلما تغيرت الشركة، فإن استمرارية الخدمة ستظل قائمة على عدم استقرار اليد العاملة التي تؤديها.
ثالثا: إنهاء المناولة في الخدمات الدائمة والأساسية
غير أن حماية العامل داخل نموذج المناولة لا تجيب وحدها عن السؤال الأساسي الذي تطرحه الدراسة. فإذا كانت المؤسسة التعليمية تحتاج بصورة دائمة إلى النظافة والحراسة والإطعام والطبخ والصيانة والخدمات المساندة، وإذا كان هذا العمل جزء لا يستغنى عنه من سير المرفق، فإن استمرار الحاجة إليه يطرح سؤالا حول سبب استمرار إخراجه من إطار التشغيل العمومي.
فالمسألة هنا ليست في إلغاء العمل، لأن العمل باق، وليست في إلغاء الخدمة، لأن المرفق يحتاج إليها يوميا؛ وإنما في الشكل الذي تنظم به علاقة العامل بهذا العمل.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون الاتجاه الاستراتيجي هو التقليص التدريجي للمناولة وإنهاؤها في الخدمات الدائمة والأساسية للمرفق التعليمي، وإعادة إدماج هذه الوظائف ضمن التدبير العمومي، وفق آليات قانونية وتنظيمية واضحة.
وهنا يجب التمييز بين مستويين حتى لا يتحول المطلب إلى مجرد شعار سياسي دون طريق لتنفيذه:
المستوى الأول هو المطلب السياسي والنقابي: إنهاء المناولة في الخدمات الدائمة والأساسية، باعتبار أن ديمومة الحاجة إلى الخدمة ينبغي أن تقابلها، في الأصل، ديمومة العمل واستقراره.
المستوى الثاني فهو آلية التنفيذ: كيف يتم هذا الانتقال؟ هل عن طريق التوظيف المباشر؟ أم عبر إحداث أطر أو وظائف عمومية مناسبة؟ أم بواسطة آليات أخرى يحددها القانون والتنظيم؟ هذه مسألة تحتاج إلى دراسة قانونية وإدارية دقيقة، ولا ينبغي حسمها بشعار عام.
منطق الانتقال: لا يكفي إلغاء المناولة، بل يجب إعادة تنظيم العمل
إن إنهاء المناولة لا ينبغي أن يعني فقط إنهاء العقود مع الشركات، ثم ترك العمال لمصيرهم. فإذا كان العامل قد أصبح جزء فعليا من الحياة اليومية للمرفق، فإن أي انتقال مسؤول يجب أن يضع العامل في مركز عملية الانتقال، وأن يحمي حقوقه وأقدميته ومكتسباته، وأن يضمن استمرار الخدمة دون فراغ.
وبذلك يصبح الانتقال من المناولة إلى التدبير العمومي انتقالا في نمط تنظيم العمل، لا مجرد تغيير في الجهة التي تؤدي الفاتورة.
فالخيار المطروح ليس بين «شركة جيدة» و«شركة سيئة»، وإنما بين نموذجين في تنظيم العمل: نموذج يجعل خدمة دائمة تمر عبر شركة وصفقة قابلة للتغيير، ونموذج يجعل العمل الضروري للمرفق جزء مستقرا من بنيته.
ومن هنا يمكن تلخيص المطالب في ثلاث حلقات مترابطة:
حماية العامل الآن → ضمان استمراره عند انتهاء عقد الشركة → إنهاء المناولة تدريجيا في الخدمات الدائمة والأساسية وإعادة إدماجها في التدبير العمومي.
والفكرة التي تجمع هذه المستويات هي أن استقرار الخدمة العمومية لا يمكن أن يبنى بصورة دائمة على عدم استقرار العامل الذي يؤديها. فالمطلوب في النهاية ليس فقط تحسين شروط المناولة، وإنما تجاوز الشروط التي تجعل الهشاشة جزء من طريقة إنتاج الخدمة نفسها.
X. نحو استراتيجية نقابية جديدة
من رد الفعل إلى بناء قوة نقابية للرصد والتوثيق
لا ينبغي أن تظل النقابة أسيرة منطق رد الفعل، بحيث لا تتدخل إلا بعد ظهور مشكلة في الأجر، أو طرد عامل، أو تغيير شركة، أو وقوع نزاع. فهذا المنطق يجعل التدخل النقابي يأتي بعد إنتاج المشكلة، بينما المطلوب هو الحضور في شروط إنتاجها ورصدها قبل أن تتحول إلى نزاع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء آلية نقابية دائمة لرصد واقع المناولة، تجعل المعلومة أساسا للفعل النقابي، وتسمح بالانتقال من التعامل مع الحالات المتفرقة إلى معرفة البنية التي تنتجها.
على مستوى المؤسسة التعليمية، ينبغي إعداد بطاقة نقابية لكل عامل أو عاملة من عمال المناولة، تتضمن الشركة المشغلة، ونوع الخدمة، ومدة العمل، والأجر، ووضعية التصريح في CNSS، وطبيعة المهام، وساعات العمل، وحوادث الشغل، والمشاكل أو الخروقات المسجلة. ولا تكون هذه البطاقة مجرد سجل إداري، بل أداة تمكن من معرفة واقع العمل كما يعيشه العامل داخل المؤسسة.
وعلى المستوى الإقليمي، تجمع هذه المعطيات في خريطة للمناولة تكشف المؤسسات المعنية، والشركات المتعاقدة، وعدد العمال، والصفقات ومددها وقيمتها، وأبرز المشاكل المسجلة. وبذلك يصبح بالإمكان الانتقال من معرفة الحالة الفردية إلى رؤية واقع المناولة على مستوى الإقليم.
وعلى المستوى الجهوي، تتحول المعطيات المتراكمة إلى تقرير سنوي يرصد تطور المناولة، وتغير الشركات، ووضعية العمال، ومظاهر الهشاشة، ومسار تنفيذ الصفقات، وما يسجل من اختلالات أو نزاعات.
أما على المستوى الوطني، فينبغي إصدار تقرير سنوي حول عمال المناولة في المدرسة العمومية، يتضمن صورة شاملة عن عدد العمال وتوزيعهم، وعدد الشركات، وقيمة الصفقات، ومستويات الأجور وساعات العمل، ووضعية التصريح في CNSS، وحوادث الشغل والنزاعات، وتغيير الشركات، والاختلالات المرتبطة بدفاتر التحملات، وحالات العقوبات وفسخ الصفقات.
بهذا المعنى، لا تعود المعلومة مجرد وسيلة لتوثيق ما وقع، بل تصبح أداة لبناء الفعل النقابي. فالنقابة التي لا تعرف حجم الظاهرة ولا شروط إنتاجها تظل مضطرة إلى التحرك في حدود ما يظهر من حالات؛ أما النقابة التي ترصد وتوثق وتحلل، فإنها تستطيع أن تحول الحالات المتفرقة إلى قضية جماعية، والمعطيات إلى مطالب، والمطالب إلى تفاوض وترافع ونضال.
وهكذا ينتقل العمل النقابي من الاحتجاج على الانتهاك بعد وقوعه إلى بناء قوة قادرة على رصده وتوثيقه وتحليله، ثم التفاوض والترافع والنضال من أجل تغيير الشروط التي تنتجه.
خلاصة: عمال المناولة وسؤال استقرار مرفق المؤسسة التعليمية
لا استقرار لأي مرفق عمومي مع وجود هشاشة العامل
تكشف قضية عمال شركات المناولة أن المسألة لا تختزل في شركة لا تؤدي أجرا كاملا، أو لا تحترم ساعات العمل، أو لا تلتزم ببعض مقتضيات قانون الشغل. فهذه الاختلالات، مهما تعددت، ليست سوى المظهر المباشر لمسألة أعمق تتعلق بالطريقة التي ينظم بها العمل داخل المرفق العمومي.
فنحن أمام خدمات لا تستقيم الحياة المدرسية من دونها، كالنظافة والحراسة والإطعام والصيانة، أي خدمات دائمة بحكم حاجة المؤسسة إليها، لكنها تدبر، في جزء منها، بمنطق الصفقة والمقاولة، بينما يظل العامل الذي يؤديها معلقا بين استمرارية الخدمة وعدم استقرار علاقة الشغل. ومن هنا لا تعود القضية قضية عامل في مواجهة شركة فقط، بل قضية نموذج في تدبير المدرسة العمومية.
وعلى هذا الأساس، فإن معالجة الظاهرة ينبغي أن تتحرك في ثلاث دوائر مترابطة.
الدائرة الأولى: حماية العامل. وذلك بفرض التطبيق الفعلي للقانون وضمان الأجر المستحق، واحترام مدة العمل والراحة والعطل، والتصريح الكامل في الضمان الاجتماعي، والصحة والسلامة المهنية، والحقوق النقابية، وحماية الاستقرار المهني والحقوق المكتسبة.
الدائرة الثانية: إصلاح شروط الصفقة. وذلك بإدماج الكلفة الاجتماعية الحقيقية للعمل في كلفة الخدمة، وضبط دفاتر التحملات بما يحدد عدد العمال وساعات العمل والمهام والأجور والحقوق الاجتماعية، وربط تنفيذ الصفقة بالمراقبة الفعلية لاحترام هذه الالتزامات، وجعل مخالفتها موجبة للجزاء.
الدائرة الثالثة: إعادة النظر في نموذج التدبير نفسه. فإذا كانت خدمات معينة دائمة وأساسية بالنسبة إلى المدرسة العمومية، فإن السؤال لا ينبغي أن يبقى محصورا في كيفية جعل المناولة أقل سوء، بل ينبغي أن يمتد إلى مدى ملاءمة استمرار إخضاع هذه الخدمات لمنطق الصفقة والمقاولة. ومن هنا يطرح الانتقال التدريجي من منطق شراء الخدمة من شركة إلى منطق توفير خدمة عمومية مستقرة داخل المدرسة العمومية.
وقد أظهرت مشروعية نضالات قضية حراس الأمن الخاص أن تغيير الإطار القانوني ممكن، كما يتضح من القانون رقم 32.26 الذي أخرج هذه الفئة من الاستثناء المرتبط بالأعمال ذات الطبيعة المتقطعة وأخضعها لمدة الشغل العادية المطبقة على باقي الأجراء، مع فترة انتقالية بالنسبة إلى العقود والصفقات السابقة. وهنا يظهر أن ما يبدو في لحظة ما نظاما ثابتا يمكن أن يصبح موضوعا لإعادة النظر حين تتغير موازين القوى الاجتماعية والقانونية.
لذلك فإن السؤال النقابي لا ينبغي أن يظل محصورا في: كيف نحسن شروط المناولة؟ بل ينبغي أن ينتقل إلى سؤال أعمق: إلى متى تظل الخدمات الدائمة والأساسية في المدرسة العمومية مرتبطة بمنطق الصفقة والمقاول، بينما تستمر الحاجة إليها باعتبارها جزء ثابتا من حياة المرفق؟
إن الدفاع عن عمال المناولة هو، في جوهره، دفاع عن مصالح مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض: كرامة العامل، واستقرار الخدمة، وجودة المدرسة العمومية، ومستقبل المرفق العمومي.
ومن ثم، فإن إنهاء المناولة في الخدمات الدائمة والأساسية لا ينبغي أن يقدم باعتباره مجرد مطلب فئوي لفائدة العمال، بل باعتباره اختيارا يتعلق بنموذج المدرسة العمومية نفسه: كيف تنتج خدماتها، وكيف تنظم العمل داخلها، ومن يتحمل كلفة إنتاجها، وأي مكان نريد للعمل المستقر داخل المرفق العمومي.
المراجع:
القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل:
المواد 86 و87 وما يرتبط بالمقاولة من الباطن،
المادة 184 المتعلقة بمدة الشغل العادية.
القانون رقم 32.26 المتمم للمادة 193 من مدونة الشغل، المتعلق بحراس الأمن الخاص.
المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية. (SGG)
المعطيات البرلمانية والنقابية المتعلقة بواقع عمال المناولة، مع ضرورة التمييز دائما بين المعطى الرسمي، والتصريح النقابي، والحالة الفردية.
بيانات المكاتب الإقليمية والجهوية لعمال الحراسة والنظافة والإطعام المنضوية تحت لواء النقابات التعليمية.