قاشى م الكبير: على ايقاع النحر ينتهي موسم و يدشن الآخر قراءة نقدية (مشروع قانون الاطار رقم 51-17 المتعلق بمنظومة التربية و التعليم و التكوين و البحث العلمي)

مشروع قانون الاطار رقم 51-17 المتعلق بمنظومة التربية و التعليم و التكوين و البحث العلمي

قاشى م الكبير

على ايقاع النحر ينتهي موسم و يدشن الآخر:

انتهى الموسم الدراسي المنصرم 2017/2018 على ايقاع نحر تلميذ لصديقه باعدادية ابو بكر القادري بقلعة السراغنة، و ذلك بسبب عدم تمكينه من الغش في امتحانات السنة الثالثة من التعليم الثانوي الاعدادي، الشيء الذي يفضح نظاما تعليميا متخلفا يعزز و يعبر عن حجم العنف الذي سمنته الهشاشة و الاحباط و الفوارق الاجتماعية الرهيبة، إذ هو الغش من اجل البقاء البقاء/الاختفاء المطلوب اطول مدة ممكنة وراء اسوار المؤسسة لاتقاء المجهول، ففي سنة 2015 حوالي 2.7 مليون مغربي عمرهم ما بين 15 و 29 سنة لم يكونوا لا في تكوين و لا تدريس و لا شغل …

اما بالنسبة للموسم الدراسي الجديد 2018/2019 ، فقد اختارت المافيا المخزنية المتحكمة في ثروات و مقدرات و قرارات و سيادة الشعب المغربي تدشينه بمجزرة رهيبة في حق ابناء الكادحين و الفقراء و المهمشين بمصادرة حقهم في التعليم، و ذلك عبر مشروع قانون الاطار 17.51 المتعلق بالتربية و التعليم و التكوين المهني، تناغما مع خطاب العرش لسنة 2015 و الذي  دعا الى :” صياغة الاصلاح في اطار تعاقدي وطني ملزم، من خلال اعتماد قانون _ اطار يحدد الرؤية على المدى البعيد و يضع حدا للدوامة  الفارغة لاصلاح الاصلاح الى ما لا نهاية” و كذا تنزيل منظور الرؤية الاستراتيجية 2015 – 2030 المتماشية مع مقتضيات الميثاق الوطني للتربية و التكوين وتحويل اختياراتهما الى  الزام و التزام قانونيين .

يروم قانون الاطار 51.17 تحديد المباديء و الاهداف الاساسية لسياسة الدولة و اختياراتها الاستراتيجية لاصلاح منظومة التربية و التعليم و التكوين و البحث العلمي و آليات تحقيق اهدافها، و ارساء قواعد تعاقدية جديدة بين الدولة و باقي الفاعلين و الشركاء في اطار تأسيس تدبير جديد “لارساء مدرسة جديدة” حسب ديباجة المشروع الذي يضم عشرة ابواب و 57 مادة، والذي تمت المصادقة عليه في المجلس الوزاري لتتم احالته على اللجان البرلمانية المعنية في شتنبر ليكون من اول مشاريع القوانين التي سيتم المصادقة عليها في الدورة البرلمانية المقبلة، دون ان تخضع لنقاش عمومي او حوار وطني تشارك فيه كل الاحزاب السياسية و المركزيات النقابية و الخبراء التربويين و وسائل الاعلام و الجمعيات الحقوقية و التلاميذية و جمعيات آباء و أمهات و أولياء التلاميذ و النقابة الطلابية أو على الاقل فصائلها المهيكلة او كل شكل تنظيمي ديمقراطي مؤهل لتمثيلها، اي توسيع دائرة المشاركة في بلورة اجابات متوافق عليها بخصوص سؤال: أي مدرسة نريد؟ و اي مواطن ؟، إذ ما معنى الحديث عن التعليم كأولوية وطنية و التعبئة الجماعية “للاصلاح” دون ان يتاح للمواطنين حق المشاركة الجماعية في اتخاذ القرارات التي ترهن مصيرهم ( شارك نحو 3.5 مليون شخص في المشاورة الخاصة بخطة التعليم الوطنية بالبرازيل حسب التقرير العالمي لرصد التعليم 2017)، كما ان تجربة الجارة التونسية جديرة بالتأمل في هذا السياق حيث  تم اطلاق حوار وطني لاصلاح المنظومة التربوية يوم 23 ابريل 2015 ، تمت ادارته محليا و صياغة تقارير بمخرجات النقاش، تمت بعد ذلك صياغتها في تقارير تركيبية جهوية ( 26 تقرير) ، و تكوين لجنة وطنية لصياغة التقرير التأليفي لمخرجات الحوار الوطني و الذي تم الانتهاء منه في فاتح سبتمبر 2015 ، و بعد ذلك تم تشكيل 12 لجنة لتحويل مخرجات الحوار الى تصورات منسجمة و متماسكة جهويا ، بينما في المغرب تستأثر كمشة من زبائن مدارس البعثات و المدارس الخصوصية الراقية من صنف خمس نجوم بالتشريع للمدرسة العمومية و هندسة مستقبل اطفالنا في غفلة منا … و اذا كانت المافيا المخزنية اختارت الاستفراد بانتاج النص التشريعي الذي ينتظر المباركة في غرفتي الاعيان، فالى أي حد توفقت في تضمينه تصورها لمدرسة و جامعة الغد؟

ملاحظات من حيث الشكل :

اول الملاحظات الشكلية التي تستوقفنا في هذا المشروع هي ان صائغه اعتمد لغة لا علاقة لها باللغة القانونية و خصائصها من دقة و وضوح و بساطة، بل عمد الى استعمال تعابير انشائية فضفاضة غامضة و قابلة لعدة قراءات و تأويلات ( المادة 20: تعمل الحكومة…على اتخاد جميع التدابير اللازمة لضمان استدامة التعلم و القضاء على الامية و مسبباتها و مظاهرها…المادة 25 : الفقرة الثانية – التخطيط التوقعي لحاجات المتعلمين و خصوصياتهم، مع الاخذ بعين الاعتبار المتطلبات المحلية و الجهوية لمحيطهم الاجتماعي و الاقتصادي…)، كما انه عمد الى استعمال جملة من المفردات المضببة و المشوشة؛ و حين استحضرنا اللغة المستعملة في صياغة البنود بداية، فذلك لكي نؤكد على ان دولة القانون تسهر على توضيح مقتضيات قوانينها بالشكل الذي يجعلها مستقرة صالحة للتنفيذ و عملية، و ذلك لكي يكون بمقدورها مستقبلا مراقبة مدى تطبيقها و احترام سيادتها.

زيادة على ما سبق فالمشروع حاول تحاشي الاجابة عن اسئلة جوهرية من قبيل السياسة اللغوية و ما تضمنه الدستور الممنوح من ضمانات للغة العربية و الامازيغية، لينعطف نحو القطع مع تجربة التعريب و التخلي التام عن الامازيغية، حيث تم العمل خلال الموسم الدراسي الراهن على اجبار كل المؤسسات التعليمية الاعدادية على توجيه ما لا يقل عن اربعين في المائة من تلامذتها للخيار الفرنسي بتعليمات و اوامر شفوية لمسح آثار الجريمة، كل هذا دون توفير الكتب الدراسية اللازمة و التي يفوق ثمن الكتاب الواحد اجرة عامل مياوم لثلاثة ايام، و دون تكوين الاساتذة الذين عهد اليهم بتدريس هذه المواد، زيادة على ذلك فقد عمد المشروع الى تغييب التدقيق في التبويب للتنصل من كل التزام، مكتفيا بايراد عبارات وعناوين عامة، متحصنا بالعموميات والغموض، ناهيك عن الخلط المتعمد و كأن صائغ النص في عجلة من امره بعدما طلب منه تسريع انهاء نصه، و هذا بين انطلاقا من المادة الثالثة التي تخلط بين الاهداف و الوسائل و الشروط الكفيلة بتقديم جواب عن سؤال : ماذا نريد من المدرسة ؟، كما حاول تمطيط مدد انجاز بعض المشاريع البسيطة و التي جعلها تصل الى سقف ست سنوات مثلا، في حين ان التجربة التونسية المضمنة في الكتاب الابيض لمشروع اصلاح المنظومة التربوية( ماي 2016) تجعلها لا تتجاوز السنة الواحدة؛ لقد حافظ المشروع بكل بساطة على سمة التعتيم في صياغته لكل المقتضيات باستثناء الاسباب الحقيقية الموجبة لتنزيله فهي التي جاءت بصيغ واضحة لا تحتمل أي قراءة اخرى و ذلك بالشكل الذي يحفظ لها قوتها القانونية الملزمة .

اسباب التنزيل :

سنحاول بداية نفض مشروع القانون الاطار من كل العبارات الفضفاضة التي تقول كل شيء لكي لا تلزم صائغه بأي شيء، و ذلك في محاولة لمبادلة الحق في التعليم بالكثير من المديح للذي لن يأتي أبدا، فلنتلذذ بقراءة عبارات لطالما رددت في كل البلاغات الوزارية و الخطب الرسمية و الوعود الكثيرة منذ عقدين من الزمن، و اعيد حشو المشروع بها من جديد، من قبيل :” تعمل منظومة التربية و التعليم على تحقيق الاسهام في تحقيق التنمية الشاملة و المستدامة و تزويد المجتمع بالكفاءات و النخب من العلماء و محاربة الهدر و الانقطاع المدرسيين “” المادة 3″”، و التحسين المستمر لجودة التربية و التعليم و التدبير الانجع للمنظومة و التطوير المستمر للنموذج البيداغوجي و المواكبة اللازمة لمستجدات العصر في مجال الابداع و الابتكار”” المادة 4″” ، و جعل المتعلم محور الفعل التربوي و فاعلا اساسيا في بناء التعلمات و تنويع المقاربات البيداغوجية في ممارسة انشطة التدريس و التكوين و التعلم “”المادة 25″”… و غير ذلك من العبارات المبشرة بالخلاص الذي وعد به الميثاق منذ عقدين من الزمن، و الارقام الدالة التي نسمع عنها في نشرات الاخبار، لكن المؤكد هو انه  اذا حدثك المخزن عن الاصلاح فتحسس جيدا جيبك…

تنص المادة45 على ما يلي:” تعمل الدولة…على اقرار مبدإ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية من خلال اقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة اولى، و بمؤسسات التعليم الثانوي في مرحلة ثانية…” دون لف و لادوران و بالعبارة البذيئة للسيد الداودي(وزير التعليم العالي سابقا عن حزب العدالة و التنمية) الموشومة في ذاكرة الموعودين بالتقشف، ، يفيد البند 45 ما يلي: ” اللي بغا يقري ولادو يضرب لجيبو”، فاصلاح التعليم يبدأ بالدفع و اصلاح التعليم يمر عبر الدفع، انها التعويذة السحرية و المواساة الوحيدة التي قدمتها عبقرية خبراء المافيا المخزنية لمدرسة في وضع مأساوي،ففي الوقت الذي يغادر 64 في المائة من الطلبة الجامعة دون الحصول على اي شهادة و ينقطع 25.2 في السنة الاولى، و 40.2 بعد سنتين من الدراسة و في الموسم الدراسي 2016 – 2017 غادر المدرسة 279.177 تلميذ قبل حصولهم على شهادة الباك، ونسبة الامية بالوسط القروي هي 77.4 في و 52.5 في المائة في الوسط الحضري حسب الاحصاء العام للسكان و السكنى سنة 2014، و امام هذه الارقام التي تحمل الدولة المغربية مسؤوليتها الكاملة في ضرورة ضمان التعليم لمواطنيها بكل اعمارهم وعبر كل مراحله باعتباره حقا لا يمكن التفريط فيه كالحق في الماء و الهواء، نجد المافيا المخزنية المشغولة بالافتراس تقترح حلول كشط الجلد عن عظام الفقراء، مستنكفة عن اي تفكير في استثمار دخول البحوث العلمية و الاكاديمية للجامعات من اجل دفعها لتجويد ادائها، او عوائد الابتكارات و الاختراعات و حقوق النشر و الخدمات الاستشارية و الانشطة التجارية و الربحية التي يمكن ان تديرها الجامعات و المدارس العليا و المعاهد داخل او خارج حرمها، او الايجارات لبعض مرافقها والاستثمارات في بعض عوائدها و برامجها التدريبية لفائدة المؤسسات شبه العمومية و القطاع الخاص، كل هذه المقترحات تم تغييبها و شل كل قدرة على التفكير فيها لوجه الرأسمال الزاحف كالنار على ما تبقى من اخضر الجامعة و المدرسة العموميتين.

ان اقرار ضريبة للتعليم تفرض على شركات توزيع المحروقات التي نهبت ازيد من 1700 مليار في ظرف قياسي فوق هامش ارباحها الفلكية المفترضة، أو ارجاع الاموال المهربة و فرض استثمارها في بناء منظومة التربية و التكوين و البحث العلمي، او توجيه عائدات عقارات و احباس وزارة الاوقاف و الشؤون الاسلامية لفائدة وزارة التربية الوطنية، او ارجاع الاموال المنهوبة المخطط الاستعجالي و هي تقدر بالملايير، او حتى الاقتصاد في نفقات محروقات سيارات الدولة التي تبلغ 200 مليار سنويا (185000 سيارة)… لكفيل برفع الوصاية المالية عن الجامعة والتصدي لمشكل التأطير البيداغوجي؛ و إذا كان حال الجامعة لا يهمهم بقدر ما يهمهم حال الرأسمال، فما هو يا ترى الحل الذي يقترحونه لتمويل التعليم الاساسي ؟

تعليم يعيش على الصدقات :

تنص المادة 43 من مشروع القانون على ما يلي :” تضمن الدولة مجانية التعليم الالزامي” و لكن لفهم هذه النقطة المضيئة وسط العتمة فيما إذا كانت قنديلا ام بقايا نيرات الحريق، يقتضي الامر اسنادها بمواد اخرى و منها المادة 44 التي تتحدث عن صندوق خاص لتمويل هذا التعليم الالزامي، هذا الصندوق يمول بالنوايا الحسنة للقطاع الخاص و الجماعات الترابية و “باقي الشركاء” ، اما المادة 42 فهي تحاول عرض بعض من هؤلاء الشركاء اذ تنص على ان:”تواصل الدولة مجهودها في تعبئة الموارد و توفير الوسائل اللازمة لتمويل منظومة التربية و التعليم و التكوين و البحث العلمي و تنويع مصادره و لاسيما تفعيل التضامن الوطني و القطاعي من خلال مساهمة جميع الاطراف و الشركاء المعنيين و خصوصا منهم الاسر الميسورة و الجماعات الترابية و المؤسسات و المقاولات العمومية و القطاع الخاص…” وكيف لجماعات فرخت بهاجس امني، فاقدة للثقة الشعبية ، مفلسة ينخرها الفساد و التسلط و بالكاد تستطيع اداء اجور موظفيها، اما تلك التي تعيش وضعية مالية مريحة نسبيا فهي منهكة بقروض صندوق التجهيز الجماعي(أسس منذ سنة 1959 ولا يغطي سوى 9 في المائة من مجموع الطلبات)، جماعات ترابية بدون رهانات تنموية لا يمكنها ان تسهم الا في المزيد من الانحدار و الانحطاط لقعر النهب و الاختلاس و الارتشاء و كوكبة اخرى من مثالب جوقة مرتزقة الانتخابات.

اما بخصوص الحديث عن تمويل الميسورين للتعليم المدرسي، فهم حسب المجلس الاعلى يدفعون رسوما شهرية لتمدرس ابنائهم تتراوح ما بين 696 و 2400 درهم حسب القدرة الشرائية للاسرة، و رسوم تسجيل تتردد بين 720 و 2000 درهم بالاضافة الى واجبات دروس الدعم، فكيف سنقنعهم باعادة تمويل التعليم العمومي مرة اخرى، ليتضح اذن ان تمويل الميسورين للتعليم العمومي مجرد خدعة لن تنطلي حتى على الاغبياء، فلماذا سيمول الميسور تعليما لا يرتاده ابناءه؟ و لماذا سيدفع للتعليم العمومي مرة اخرى بعد الدفع للقطاع الخاص؟.

و في نفس السياق ترى المادة 46 انه:”يتعين على الدولة ان تقوم بتطوير برامج للتعاون و الشراكة في اطار التعاون الدولي في مجال التربية و التعليم و التكوين و البحث العلمي و خاصة فيما يتعلق بتمويل التعليم الالزامي و التعليم عن بعد و التربية غير النظامية و محاربة الامية و…” و بهكذا طريقة في مد يد التسول الى ما وراء البحار، ستعمل الدولة على تمويل منظومة التربية و التعليم و التكوين و البحث العلمي، فالتمويل الاحساني عبر الهبات و التبرعات و المنح و الصدقات تكشف التحرير الكامل للقطاع في وجه قانون السوق .

بالاضافة الى ما سلف، فان التعليم بالعالم القروي و الشبه الحضري الموعود بتمييز ايجابي في ديباجة القانون لن يكون افضل حالا من التعليم الموجه لكل اشقياء البلد، فالمادة 17  تقترح: …- توسيع نطاق تجربة المدارس الجماعية…في اطار اتفاقيات للشراكة بين الدولة و الجماعات الترابية و جمعيات المجتمع المدني و القطاع الخاص” في اصرار على التمسك بتجربة دور الفتيات والفتيان بالحواضر و القرى و التي تشرف عليها جمعيات نذرت نفسها للتسول من اجل اطعام نزلائها ، تعيش على صدقات مالية و عينية، ومنح تقدمها مندوبيات التعاون الوطني، و الجماعات الترابية حسب مزاجية رؤسائها و استثمارهم الانتخابي لهذه الجمعيات التي تحصر لوائح المستفيدين من خدماتها من ابناء مناصري حزب رئيس الجهة او الجماعة القروية المعنية .

ربيع المدارس الخاصة :

تنص المادة 10 على ما يلي: “يتعين على مؤسسات التربية و التعليم و التكوين التابعة للقطاع الخاص …الاسهام في توفير التربية و التعليم و التكوين لابناء الاسر المعوزة و للاشخاص في وضعية اعاقة و كذا الموجودين في وضعية خاصة” يظهر لاول وهلة ان هذا المقتضى غريب ، فكيف لمدارس القطاع الخاص ان تضمن و توفر التعليم لابناء الاسر المعوزة؟ و بأي مقابل؟.

ان ربط هذا المقتضى بتجارب مقارنة و منها التجربة المصرية بالتحديد، يكشف سرهذا المقتضى الطافح انسانية في الظاهر، و لكن بواعثه الباطنة ليست اكثر من تأليف بارع و مزاوجة متحذلقة بين عواطف تخفي وراءها نهما لأكل السحت، و ذلك بتبيئة نموذج ما يسمى بالمدارس الشريكة في مصر في بيئة مشابهة من حيث الفساد و تقاسم تجاربه، و تقتضي هذه التجربة ان تقدم الدولة للقطاع الخاص مدارس تم اغلاقها لاداء نشاطه أو أداء اجور كل طاقمه الاداري و التربوي، او تمكينه من عقار لتشييد مؤسسته في موقع استراتيجي يستحيل ان تقطن بمحاذاته اسر فقيرة ، كما ان معايير العوز تظل غامضة بالشكل الذي يمكن المستثمر من فرض الاداء على كل زبائنه،و بذلك فان قانون الاطار يسعى لشحذ مخالب بورجوازية ريعية متخلفة تفترس الحجر و البشر .

ان الرأسمال بطبعه يقتات من الدماء في اجواء الأنين و الوجع، يقايضك العواطف بنهش لحمك، يتقن تغليف بضاعته بكل الوان النصب و الكذب، يفاضل بين فرصه من حيث التكاليف والعوائد و تعويض الفرص الاستثمارية الضائعة من اجل التوجيه الامثل لقراره بدراسات اقتصادية، تقنية، مالية، انتاجية، تسويقية…يغيب فيها البعد الانساني او الاجتماعي او الوطني؛ وصولا الى تقدير الربح و الخسارة و بذلك سيكون من الغباء الاستثمار في الاحياء الهامشية و القرى و الحواضر النائية و مراكز تجمع الفئات السوسيومهنية العاجزة عن توفير خبزها فبالاحرى خبزه .

زيادة على ذلك فان المادة 11 تنص في فقرتها الثانية على ضرورة:” وضع نظام جبائي تحفيزي لتمكين هذه المؤسسات من المساهمة على وجه الخصوص في مجهود تعميم التعليم الالزامي و تحقيق اهداف التربية غير النظامية و الاسهام في برامج محاربة الامية…” انها قمة العدالة الجبائية و المساواة امام الضريبة ، الثقل الجبائي يزداد ضغطا على الفقراء و المستثمرون يستفيدون من الامتيازات في خرق سافر لدستور ينص في فصله 40 على ان :” على الجميع ان يتحمل بصفة تضامنية و بشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد…”. فمن اجل ماذا تنتهك هذه القاعدة الدستورية؟

من المعلوم ان تخفيف العبء الجبائي على بعض المؤسسات او الانشطة يعد بمثابة مصاريف تتحملها الدولة مقابل منافع محددة، فما هي يا ترى المنافع التي ستحصلها الدولة من تحملها لهذه المصاريف؟

انها من دون شك تخريب منظومة التعليم العمومي بتفريخ المدارس الخصوصية، بدء من تلك غير المصنفة وصولا الى مدارس خمسة نجوم، لكل فئة اجتماعية مدرستها الخاصة، الشيء الذي يفسر نسبيا ارتفاع نسبة التوجه من التعليم العام إلى الخاص، حيث انتقلت النسبة من 4% عام 1999 إلى 15% في 2015، اما الحديث عن ” تعميم التعليم الالزامي” ” و الاسهام في محاربة الامية” فليس اكثر من سخافات مثيرة للسخرية و الاشمئزاز لتبرير و شرعنة تكديس و تعظيم  الثروات الطائلة و الارباح الخيالية لرأسمال جبان يسعى  للربح السهل السريع دون ادنى مجازفة .

كيف سيمول الفقراء تعليم ابنائهم؟

ان نزعة الخداع في قانون الاطار 51.17 لا حدود لها، كما ان الشعور المنافق بالفضيحة دفع محبر القانون الى التنصيص في المادة 18 على تمتيع “المتعلمين المستحقين” و الذين يوجد اباؤهم او اولياؤهم او المتكلفون بهم في وضعية اجتماعية هشة بمنح دراسية بالاضافة الى نظام للقروض الدراسية قصد متابعة دراستهم العليا … فبالاضافة الى غموض مفهوم :” المتعلمين المستحقين” اولا،فان المادة 18 تشترط لاستفادتهم من “منح دراسية” لم تحدد مشمولاتها؛ هل هي كافية لتغطية مصاريف الكراء و الغذاء و المراجع الدراسية و الملابس… ام تشكل نسبة معينة من مجموع النفقات السنوية للطالب؛ ان يكونوا من اسر في وضعية هشة، بمعنى ان “الاستحقاق” و “التميز” و “الذكاء الاستثنائي” يمكن تحقيقهما في اسر تعيش الفاقة و الحرمان و لا تستطيع تلبية حاجاتها الاساسية من دواء و كساء و غذاء، و كأن التحصيل الدراسي لا علاقة له بالبيئة الاقتصادية و الاجتماعية للمتعلم .

اما بخصوص القروض الخاصة بمتابعة الدراسة العليا، فاننا بدورنا نتساءل:  هل يمكن للابناك ان تغامر في منح قرض لطالب يتابع دراسته في شعبة الفلسفة او اللغة العربية او التاريخ مثلا؟، الم يفت صائغ المادة الاستئناس ببعض الاحصائيات الرسمية التي تتحدث عن كون 70 في المائة من خريجي مؤسسات الاستقطاب المفتوح يعانون من البطالة، و تزايد نسبة العاطلين ضمن خريجي المدارس و المعاهد الكبرى اذ قدرت نسبة البطالة في صفوفهم ب 9.5 سنة 2016 مقابل 5 في المائة سنة 2012؟

فكيف ستخاطر الابناك بمنح قروض غير مضمونة الاسترداد؛ و بالتالي يظهر بان العامل المحدد لمنح هذه القروض لن يكون الا قدرة الوالدين على الدفع، و بالتالي فهي قروض انتقائية للمستفيدين من ثروات الوطن، اما المفلسين من عموم ابناء العمال و الفلاحين و صغار موظفي الادارة فقدرهم ستحدده المادة 31 التي تنص في فقرتها الاولى على: ” الاعتماد المبكر على التوجيه و الارشاد نحو الميادين التي يمكن فيها للمتعلمين احراز التقدم المدرسي و المهني و الجامعي الملائم لميولاتهم و قدراتهم”، و كذا الفقرة الثانية :”تجديد الآليات المعتمدة في التوجيه التربوي من خلال اعتماد الروائز مع الاخذ بعين الاعتبار معدلات التحصيل الدراسي، و ميول و اختيارات المتعلم و مشروعه الشخصي …”فالمراحل التعليمية المختلفة لا تتكامل في كليتها لبناء شخصية المتعلم او لتكون مشتلا لتفجير الابداع و فضاء للتمرس على المواطنة و التحفيز النقدي و الشك الايجابي و التفكير و البحث، و انما هي مراحل معزولة و ابواب تنفتح على آفاق تتوازى و الوضع الاجتماعي للاسر بالشكل الذي يحرس التمايزات الطبقية و يديم علاقات الاستغلال و الهيمنة، شريحة واسعة من رواد المدرسة العمومية ستوجه ابتداء من السادسة ابتدائي لمؤسسات التكوين المهني المتهالكة لتعلم حرف في طور الانقراض؛ حيث تبرز احدى الدراسات الحديثة (اوردها المجلس الاعلى للتعليم في احد تقاريره) ان 65 في المائة من الاطفال الذين يدخلون المدرسة اليوم سيمارسون في المستقبل مهنا غير موجودة الآن؛ و بالتالي محكوم عليهم بالامية و البؤس و الحاجة الملحة طيلة ما تبقى من حياتهم، و من استطاع الافلات من المصفاة الاولى، فالغربال الثاني في انتظاره نهاية السنة الثالثة من التعليم التأهيلي الاعدادي حيث آفاق الباكالوريا المهنية تنتظره بازيد من 22 مسار لتخريج تقنيين بكفاءات متوسطة و بمواصفات هشة لتوفير اجراء طيعين بحد ادنى من الكفاءة و باعداد طائلة تمكن الرأسمال من الانتقاء باريحية، اما التعليم العالي بعد الباكالوريا فهو للكمشة القادرة على المزيد من شد الحزام، و لن يكون مصيرها على كل حال بأفضل من الشريحة الاولى، فالبطالة هي الشيء الذي تتحسن ارقامه ارتفاعا سنة بعد اخرى.

و ماذا بعد ؟

لا شيء يلوح في الافق، المركزيات النقابية تحولت الى ملحقات ادارية للوزارات الوصية، و ادوات وساطة تراسل ثم تنتظر و حين يطول الانتظار تشجب و تستنكر، لا نضال من اجل تلطيف الاستغلال( الاجر و ساعات العمل و ظروفه…) و لا توطين لفكر القضاء عليه؛ بعض القوى اليسارية تكبر بالمجاهر الالكترونية كل القضايا الخلافية مع رفاق صفها متهاونة في تحمل مسؤوليتها التاريخية امام شعب يكشط جلده و كمشة ترفل فوق اشلائه و تنهب ثروات جهد جياعه، و هي في طور التحول الى ادوات للتعبئة من اجل مخزن يمكن تقليم اظافره تدريجيا ليصير اقل شراسة و اكثر انسانية؛ القوى الحية المناهضة للمخزن تنتظر سقوط التفاحة من تلقاء ذاتها بعد التعفن؛ النقابات التعليمية تواجه العدوان بالبيانات؛ احزاب الموالاة و المعارضة الملكية تتقاتل من اجل نيل الرضى المخزني الذي لا يتم ارواءه، و لذلك فهي تدافع دون كلل على ضرورة الاشادة بمباهج النموذج المغربي حيث جمالية المسالخ و الذوق الرفيع للحوم المكردين؛ حكومة لصوص الله الموظفة كصمام امان استعمل غداة الموجة الاولى من السيرورة الثورية التي تجتاح المنطقة استنفدت وقودها؛ الاحتجاجات و الغضب المتنامي يطرح على جدول اعماله كل البدائل الممكنة و هي  ليست واحدة بل متدرجة من اقصى الخراب لأقساه لأن البديل الديمقراطي التقدمي هش نضاليا و ميدانيا؛ الانهيار الشامل تقر به كل الخطابات الرسمية و تعيد التذكير به في كل المناسبات للتطبيع معه؛ ثروات ضيعت و الدور على اجيال من الشباب و الاطفال على حافة الجرف؛ المافيا المخزنية تقودنا من الازمات للانفاق المظلمة، و عليه فان النظرة من موقع اليسار الملتحم بقضايا شعبه و مصيره لهذه الانقاض يستوجب منا مضاعفة الجهد و العمل لبناء اوسع تحالف ميداني ممكن لكل القوى المناهضة للمخزن على ارضية برنامج عمل مشترك ديمقراطي وطني واقعي لانقاد رقبة البلاد من انشوطة المخزن.