حينما تغدو الكتابة الفلسفية على مسافة من منطوقاتها…!! على هامش نص “الكلمات والأشياء” لـ ميشيل فوكو

حينما تغدو الكتابة الفلسفية على مسافة من منطوقاتها…!!

على هامش نص “الكلمات والأشياء” لـ ميشيل فوكو

ذ. أشملال حدو، تيفلت، الخميسات، 1 يناير 2018

جلي أن ميشيل فوكو كان يرفض أن يرتبط إسمه بأي مدرسة فكرية محددة، لأن ذلك من شأنه – كما يقول – أن يفرض قيودا ميتودولوجية على فكره وكتاباته ويحد من انطلاق تفكيره. وقد كان من الطبيعي أن تختلف الآراء وبخاصة في انجلترا وأمريكا حول مكانته وأصالة فكره وأهمية إسهاماته والدور الذي لعبه في تشكيل العقل الميتافلسفي. ومعظم الأساتذة الأمريكيين يقفون منه بطبيعة الحال موقف المعارضة والنقد وإن كان منهم من يرتفع به إلى مستوى كبار الفلاسفة من أمثال فيتجنشتاين ونيتشه. فبينما نجد ليو برزاني يصفه بأنه أحد ” ألمع الفلاسفة المعاصرين الذين تكلموا عن القوة ” نجد أن بيتر جاي يتهمه بأنه لم يقم بأي بحث علمي بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما هو يرتاد مختلف الموضوعات فينتقل من موضوع لآخر منقادا وراء غريزته البحتة بينما يقول الأنتربولوجي كليفورد جيرتز “لقد أصبح ميشيل فوكو نوعا غريبا من البشر ومشكلة يستحيل فهمها أو حتى الإقتراب منها. فهو مؤرخ يتنكر للتاريخ، وهو مفكر إنساني ذو نزعات غير إنسانية…”. وقد عزز هايدن هوايت هذا الحكم في مقال له يصف فيه أسلوب فوكو بأنه مليء بالجمل الطويلة والإعتراضية، زاخر بالاقتباسات والتكرار والمفارقات، وأن كتاباته تتراوح بين الأسلوب التحليلي والأسلوب الشعري كما تقترن فيها المصطلحات العلمية بالعبارات والأوصاف الخيالية الأسطورية. وقد وصل الأمر بهوايت إلى حد اتهام فوكو بأنه يتعمد استخدام هذا الأسلوب كنوع من الثورة والتمرد على فكرة “الوضوح” التي ورثها الفكر الإنساني عن ديكارت من ناحية، وكنوع من الدفاع عن الذات من الناحية الأخرى، لأن غموض الأسلوب وتعقده يجعلان من الصعب تلخيص آرائه ونقدها والكشف عما بها من ثغرات وتناقضات. ويمكن التماس هذا النوع من النقد الموجه إلى فوكو،بطبيعة المنهج الذي اعتمده هذا الأخير. إنه منهج الأركيولوجيا – الجينالوجيا أو الجينالوجيا -الأركيولوجيا. تأكيدا على ذلك، كتب مطاع صفدي – في تعليق له على كتاب الكلمات والأشياء – يقول: “وهو المنهج الذي لا يكتفي بالوصف أو التحليل، لكن مهمته هي أن يبرز، أن يكشف التمفصلات الخطابية، لا أن يحكم ولا أن يؤول. وهو منهج يرفض صفة العلم أو العلمية، لأنه يترك ذاته حرا لتأتي ممارسته حرة كذلك. فهو يخترق حدود التصنيفات كلها، ويكشف فيها عن كل ما يمكن أن يؤلف وثيقة أو مشروع وثيقة، لاستنباط النشاط الخطابي لكل من إرادة المعرفة مضاعفة بإرادة القوة…”.

تتبدى لانظامية فوكو الفكرية في طبيعة التخصص الذي أضفى عليه إسم “تاريخ أنساق الفكر “؛ حيث إنه عكف على معالجة “التاريخ” بأسلوب يختلف اختلافا كبيرا عن الأسلوب الذي يتبعه أغلب المؤرخين،إن في المرحلة الإشكالية الحديثة أو المعاصرة، الذين ينظرون إلى التاريخ على أنه عملية متصلة، وأنه “يتدفق” باستمرار وينساب بغير توقف في مجرى معين بالذات، ويرون أن وظيفة المؤرخ الأساسية تنحصر في تحديد ذلك التدفق وتتبع اتجاهه للتعرف على ما إذا كان يتجه نحو الحرية مثلا أو نحو “زمن القطع البنيوي” مع تكوينة اجتماعية-اقتصادية على حد تعبير مهدي عامل. هذا الموقف يعارضه فوكو الذي يرى أن هذا التدفق تعترضه بعض ” الإنقطاعات ” الحادة الواضحة التي تفصل المراحل التاريخية الكبرى الواحدة عن الأخرى والتي يمثل كل منها قيام عصر جديد يتولى بنفسه خلق وابتكار الإطار العقلي الخاص به والذي يعبر عن نظرته إلى العالم، وتتم هذه العملية بطريقة لاشعورية. ويطلق فوكو على هذا الإطار كلمة “إبستيميه Episteme” وهو مصطلح مستمد من الكلمة اليونانية التي تشير إلى العلم والمعرفة. ويحدد فوكو ثلاثة انقطاعات أساسية بالذات يتميز كل منها بإطار معرفي متميز: الأول حدث في أواسط القرن السابع عشر وأدى إلى القضاء على الإتجاه الذي كان سائدا من قبل نحو إبراز وتوكيد أوجه الشبه بين مختلف الأشياء أو بين “كل مخلوقات الله” حسب ما يقول أوتو فريدريك Otto Friedrich وظهور الميل الذي ساد “عصر الأنوار” نحو إبراز أوجه التفاوت والإختلاف والتفاضل بين الأشياء، وهو ميل سيطر على تفكير القرن الثامن عشر بوجه خاص. ثم حدث القطع الثاني العام بعد الثورة الفرنسية بقليل، ويتمثل في ظهور فكرة التقدم التطوري في المجالين الإجتماعي والعلمي على السواء.

ولكن إذا كانت “المعرفة قوة” كما يقول فوكو، فإنه انتهى من ذلك إلى الاعتقاد بأن القوة والمعرفة تتضمن إحداهما الأخرى بالضرورة، وأن كلا منهما تتطلب الأخرى وتؤدي إليها. وعلى هذا الأساس، فإذا كان كل عصر من العصور التي تكلم عنها قد أفلح في تكوين وتطوير وإبراز صور وأشكال معرفية جديدة تعبر عن ذلك العصر ومقومات الحياة فيه ويمكن عن طريقها التعرف عليه، فإن هذا معناه في آخر الأمر أن كل عصر من هذه العصور إنما كان يمارس في حقيقة الأمر أشكالا جديدة من القوة؛ بشكل يستدعي التفكيك والإبراز. يقول فوكو – في نص الكلمات والأشياء -:”إن العالم مغطى بشارات يجب فك رموزها، وهذه الشارات التي تكشف عن تشابهات وأنساب،ليست هي نفسها سوى أشكال من المتشابه. لذا، فأن تعرف، سيكون أن تؤول: أن تذهب من العلامة المرئية إلى مايقال عبرها، ويبقى بدونها،كلمة خرساء نائمة داخل الأشياء.”

ليست إذن،القوة المادية – آليات القمع السياسي – الشكل الوحيد للقوة في المجتمع الإنساني وإن كانت،بلا شك، أوضح أشكالها، وإنما هناك أشكال أخرى عديدة يمكن الإستدلال عليها في بنية التناقض المحايث لأشكال الصراع القائمة بالمجتمعات المعاصرة. فكل تراكم للمعرفة الاجتماعية، وكل نوع من أنواع البحث والدراسة والتنميط والتصنيف والحكم هو في حقيقة الأمر صورة من صور ممارسة “القوة الثعلبية”. بل إن فوكو يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول بأن مختلف فئات الناس الذين يؤدون أدوارا معينة بالذات في الحياة مثل المدرسين والأطباء ورجال الدين…وهلم جرا ومن إليهم يشاركون مشاركة فعالة في ممارسة القوة. ولكن الأهم من ذلك كله والأشد خطورة هو أن “المواطن”، راهنا، يتم تدريبه وإعداده لكي يمارس قوة جهاز الدولة على غيره من “المواطنين” مثلما يمارسها على نفسه هو أيضا. وكما كتب فوكو يقول:” فإن الطاغية الغبي قد يضطهد العبيد ويقهرهم مستخدما في ذلك السلاسل الحديدية، ولكن السياسي الحقيقي الماهر يستطيع أن يقيدهم بسلاسل أقوى من سلاسل الحديد عن طريق أفكارهم هم أنفسهم، وهو قيد يستمد قوته من أننا لا نعرف المادة التي صنع منها”. ويعلق اتو فريدريك على ذلك بقوله:” إن هذا القيد المؤلف من الأفكار ومن ذلك التراكم الضخم من الإختبارات والفحوص والتعاريف والقواعد والقوانين… ذلك السجن العقلي أو الفكري، ليس في آخر الأمر سوى الإنسان نفسه.”

  • لائحة المراجع:
  • ميشيل فوكو: الكلمات والأشياء،أنطولوجيا العلوم الإنسانية.فريق الترجمة: مطاع صفدي/بدر الدين عرودكي/ جورج أبي صالح/ سالم يفوت/ كمال اسطفان. شارك في الترجمة: جورج زيناتي. الإشراف والمراجعة الأخيرة: مطاع صفدي. دار الفارابي – بيروت – لبنان، الطبعة الثانية: كانون الثاني 2013.
  • Foucault: Les mots et les choses.une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard, coll. «bibliothèque des sciences humaines», 1966.
  • Foucault: L’archéologie du savoir, Paris, Gallimard, coll. «bibliothèque des sciences humaines», 1969.

ميشيل فوكو في وقفة إحتجاجية أمام معمل رونو 1972